“أطياف هنري ولكم” و تجليات التنوع في النص السردي

img

محمد صلاح حسن القويضي – تجليات التنوع في النص السردي ، رواية “أطياف هنري ولكم” لمهند رجب الدابي نموذجا .

 

في سرديته الملحمية الموسومة (أطياف هنري ولكم) الصادرة عام 2018م عن دار فضاءات الأردنية في ثلاث وخمسين وأربعمائة صفحة من القطع المتوسط يبرهن الروائي السوداني الشاب مهند الدابي أن كتابة الرواية الكبيرة لا تستند فقط على المقدرة العالية على (الحكي) وإنما أيضا على المقدرة العالية على البحث والتقصي والتدقيق والتنقيب المفضي (للفهم) العميق لطبيعة العصر.
في هذه السردية المتميزة يقدم الدابي عرضا دقيقاً لوقائع عصر كامل هو عصر (نهوض) الرأسمالية الجديدة من خلال تقاطعات سيرة حياة هنري ولكم وسومرست موم وسيلاس بوروز – كشخوص رئيسية – بالإضافة لسيرة العشرات من الشخوص (الثانوية) في سياق السيرة التاريخية لملايين البشر في مختلف أنحاء كوكبنا الأرضي. القراءة الممتعة للرواية حملتني لعوالم ساحرة يختلط فيها الواقع بالخيال بالرومانسية الحالمة بحيث يمكنني القول بأن أطياف هنري ولكم هي سردية يمكن قراءتها من جوانب متعددة.
فهي تقع ضمن قائمة الروايات العديدة التي حاولت أن تقدم الحدث التاريخي بصورة مختلفة عما هو عليه في كتب (التاريخ الرسمي). وهي في ذلك تسير (بأصالة ودون تقليد) في ذات الدروب التي سارت فيها روايات مثل (عزازيل) ليوسف زيدان التي قدمت صورة مغايرة لتاريخ المسيحية في عصورها الأولى ورواية (الشيطان يزور موسكو أو المعلم ومارغريتا) لميخائيل بولغاكوف والتي قدمت (نسخة) مختلفة للتاريخ السوفيتي كلفت الكاتب حياته.
من خلال تقنيات السرد المتنوعة يطرح الدابي رؤية مختلفة (للقضية اليهودية) هي أقرب للرؤية (الشكسبيرية) منها للرؤية السائدة التي تقدم اليهود (كضحايا) للظلم التاريخي والرؤية السلبية من قبل الآخر. كما يلعب الدابي بذكاء عن طريق الأحداث والإشارات والرموز على تقاطعات الماسونية العالمية مع (القضية اليهودية) والدور (العميق) للماسونية في الإمساك بالعديد من خيوط (مصائر) البشرية المعاصرة. بمهارة مدهشة وعبر تقنيات سرد متنوعة يقدم الدابي (بانوراما تاريخية) دقيقة لنشوء ما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية. من خلال السيرة الغيرية لولكوم الجد وحفيده هنري ولكوم الأخير والتي تبدأ بلحظة وصول الجد المهاجر للأراضي الجديدة وتنتهي بعودة الحفيد إلى لندن. يقدم الدابي عبر مسارب ممتعة من السرد لواقع (متخيل) (التاريخ الحقيقي / المسخ) لأمة تطرح في كتب التاريخ الرسمية كمثال للرقي والتقدم واحترام الإنسان بينما هي في الواقع قد تأسست على الكذب والخداع واستئصال عرق (الهنود الحمر) واستعباد عرق آخر (الزنوج) من أجل بناء رفاهية المهاجر الأبيض. ويزيد من غنى الرواية ذلك التقاطع بين سيرة حياة الأمريكي هنري ولكم مع الكاتب (الأوربي) سومرست موم والذي يفضح الدابي من خلاله (التاريخ الفضائحي مسكوت عنه) لبريطانيا وأوربا العصر الفيكتوري.
تتسم الرواية باتساق وانتظام مسارات السرد فيها. فقد التزم الدابي منهجا شديد الدقة في رصد وتسجيل (الأحداث) التاريخية بتواريخها الحقيقية وتسلسلها الزماني وموضعها المكاني. لكن تلك الدقة لم تمنعه من إعمال مبضع (خياله) الخصب في صياغة التفاصيل المتعلقة بدور (شخوصه) في تلك الأحداث. ومن خلال المزج الخلاق بين (الدقة المفرطة) في (تتبع) (الأحداث التاريخية) و (الخيال اللامحدود) في (اختلاق) (التفاصيل) المتعلقة بالأحداث وحركة شخوص روايته استطاع الدابي أن يتخطى لحد بعيد مأزق الرواية التاريخية. لقد قدم لنا تخيله (للتاريخ) من وجهة نظره كسارد بلا لف ولا دوران ولا ادعاء (لأمانة) (مستحيلة) تاركاً للمتلقي مهمة التأويل والتفسير والقبول أو الرفض.
ومما يكسب الرواية أهمية خاصة أن (التاريخ) الذي تتناوله هو تاريخ قريب ماثل لا تزال أحداثه ساخنة تلقي بظلالها وتأثيراتها على واقعنا الراهن. بل يمكن القول أن هنري ولكم ما زال (يؤثر) في واقعنا من خلال الإرث (العلمي) الذي تركه والعطايا (الوقفية) التي جاد بها في أيامه الأخيرة. كما أن (الولايات المتحدة الأمريكية) – التي ساهم هنري ولكم مساهمة (مخزية) في تأسيسها من خلال إشتراكه الفعال في مجازر إبادة الهنود الحمر – هي الآن (قطب) العالم الأوحد الممسك بناصية الأحداث فيه تحت رايات (العولمة) في نسختها الأمريكية. وعلى هذا الأساس يمكننا القول أن أطياف هنري ولكم هي رواية (تخييل للتاريخ) كما يمكن اعتبارها سيرة غيرية سردية (متخيلة) لهنري ولكم من خلال علاقاته المتشابكة مع سيلاس بوروز وسومرست موم وسيري برناردو قولدماين وايميلي نورثومب وشخوص الرواية الآخرين. لكن الرواية – رغم التزامها بدقة التسلسل التاريخي للأحداث – هي في ذات الوقت رواية خيال وفانتازيا بامتياز.
وهي أيضا قصة حب رومانسية متعددة الأطراف. فقد لعب الدابي على التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية لشخوص روايته مقدماً لهم كشخصيات فانتازية تبدو كما لو كانت قادمة من عوالم أخرى. لكنها قادمة بالضبط من عوالم (الحقيقة البشرية) التي هي أغرب من كل فانتازيا يمكن أن يتخيلها سارد أو شاعر أو رسام.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: