أصوات خلف المرايا – منى نصيب

img
 أصوات خلف المرايا – منى نصيب
 
كان قابعا في مكانه لا يحرك ساكنا,، بينما كانت ذاكرته المنتحرة تجول بين صفوف المرايا كعادتها تحاول اكتشاف ما وراء تلك المرايا الجميلة ذات ألوان الحياة وروح الشقاء. نعم تلك كانت وما تزال عادتها منذ انتحارها الأول وانتصارها على مرآة الذّل التي أظهرت للجميع زينتها الزهرية وظنّت أنّه لن يكتشف أمرها. بقيت المنتحرة تجول بين صفوف المرايا إلى أن سمعت ضجّة آتية من إحدى الخلفيات فحاولت الاقتراب لاكتشاف مصدره، وكلّما اقتربت أكثر ارتفع الصّوت أكثر إلى أن وصلت إلى ركن مظلم . كان صدى الصّوت يتعالى شيئا فشيئا ويمتزج بأصوات أخرى، فلم تستطع الذاكرة المنتحرة فهم ما كان يُقال وفجأة رأت شابا يمسك برأسه قائلا :
– أرجوك أيّتها الذّاكرة لا تتركيني بين وحوش الظّلام.
– لا … لا لقد مللت ظلام سجنك أيّها الجسد اللّعين فأنت أكبر الوحوش.
– لا فأنا لم أسجنك أبدا، فلقد كنت حرّة طويلا .
– ها … ها حرّة ؟ٍأين ؟ كيف ؟ متى ؟ أين الحرّية؟ كيف كنت حرّة وأنت توجّه تفكيري ومساري ومصيري وفني وطموحي؟
– لا تخطئي. فأنا كنت فقط أشجعك على تقريري مصيرك .
– مصيري؟ إنّه مصير مصالحك . لا … لا … فلن أرضى بهذا الخضوع بتاتا.
بينما كان ذلك الجسد يتوسّل خرجت تلك الذاكرة بقسوة في لمح البصر. صاح الجسد صيحة لم يشهد لها التّاريخ مثيلا فكسرت تلك المرآة الرّائعة .
كانت الذاكرة المنتحرة تتابع هذا الحدث بانتباه، ولم تنفطّن إلى اقتراب الذاكرة الثّائرة منها والّتي كانت تتمتم وتقول: ” نلت منك أيّها الجسد العفن”
فسألتها المنتحرة: ما هذه القسوة يا صديقتي ؟
أجابت الثّائرة: ” لقد تعوّدنا على الذّل والخضوع واستسلمنا للدّموع وفرحنا بالهزائم وكان شأننا شأن البهائم” أتريدين منّي أن أنتحر كما فعلت ؟ “
– لا أنا لم أنتحر بل تمرّدت.
– انتحرت أو انحرفت أو تمرّدت أو … كلّها تجاوزات.
بعدها كانت كلا الذاكرتين تبحر في محيط صمتها البليد، لكنّهما لم يعلما بسعي ذاكرة أخرى لكسر مرآة أخرى وتتحدّى جمالا ظاهرا وعيبا مستورا وبقيت كلّ ذاكرة من الذكريات تتجوّل خلف صفّ من صفوف المرايا وتفرح لاكتشافها هذا العالم الخفي الّذي لم تره من قبل إلى أن انظمّت إليها ذاكرة أخرى، ثمّ أخرى وأخرى، وكسرن معها مرآة أخرى لتتخلّص من وجوه أبدعت وانتصرت بفضل الأقنعة الذّهبية وكسرت المرايا، فكان التمرّد الحقيقي عن تلك الأجساد العفنة … وكان الانعتاق. »
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: