أزمة الفنّ المعاصر بين جدلية الديمقراطية الثقافية و الديكتاتورية الذوقية

img

أزمة الفنّ المعاصر بين جدلية الديمقراطية الثقافية و الديكتاتورية الذوقية

بقلم :هيبة مسعودي

(باحثة تونسية، متحصلة على ماجستير في الفلسفة المعاصرة وهي بصدد إعداد أطروحة دكتورا في فلسفة الفن)


إن الديمقراطية كإحالة على الأغلبية العددية سواء كانت سياسية صرف[1] أو سياسية ثقافية تلاقي النقد اللاذع الذي أثثت له الأزمات المتتالية ولنا في الميدان الثقافي عموما وفي أزمة الفن المعاصر كمثال دقيق وقفنا بالتشخيص و التحليل على أهم نقاط الخلل و الالتباس فيه، نقطة ارتكاز كشفت لنا عن ثغرات تبرز أن الديمقراطية الثقافية في شكلها الحالي لا تمثل الخيار الأنسب للاستطيقا المعاصرة و على الأقل بهذه العيوب المجحفة و ذلك لاعتبارات عدّة سنتأولها، مستضيفين من التاريخ الفلسفي نظريات و قراءات تمكننا من تدعيم التجريح الموجه الى السياسات الثقافية المعاصرة، تباعا كالآتي:

_ الديمقراطية الثقافية و الدكتاتورية الذوقية

_الدكتاتورية الذوقية و الحشود

فلئن نبهت التيارات الفكرية الفلسفية الرافضة للديمقراطية كنظام سياسي من مغبّة السقوط في فخ ديكتاتورية الأغلبية[2] كما شرع لهذا المفهوم ألكسيس دي تكفيل مشددا على الانزلاقات الخفيّة الممكنة للمشروعية العددية المفخخة،فان المتأمل للاستيطيقا المعاصرة التي أفرزتها السياسات الثقافية المدافعة عن الديمقراطية الثقافية يلحظ تفكك ثقافة النخبة و ”الفن الكبير”، في مقابل طغيان الثقافة الشعبية[3] المستمدة لمشروعيتها من الأغلبية العددية، و هو ما يُجيز لنا التنبه الى “الديكتاتورية الذوقية” التى يكرّسها مبدأ الانتصار لذوق الأغلبية. إيف ميشو يرصد لنا التغيرات المرفولوجية في استطيقا الذوق حسب احصائيات دقيقة للمجتمع الفرنسي[4]، لنستجلي من بوتقتها أنّنا بتنا إزاء تقهقر ”للمعرفة الجمالية” أي الذوق الفنّي المبني على دراية و عقلانية في تقييم الأعمال الفنية، و اذ طُرح السؤال البديهي” ما السبب؟” ستكون الاجابة رنسيارية مقتطفة من كتابه ” كراهية الديمقراطية ”، في الديمقراطية ” الشباب يساوون أنفسهم بالعجائز، العجائز يحاكون الشباب، و الحيوانات ذاتها حرّة ، و الخيول و الحمير واعية بحريتها و كبريائها تدوس في من لا يفسحون لها الطريق.[5]” و في الديمقراطية الثقافية التي تُطبق على الفنّ المعاصر الناقد، الباحث في الفنون، الفنان في حدّ ذاته، العامي، المراهق و الطفل كلّهم متساوون أمام العمل الفنّي. فمن الذي يتجرأ على انتقاء جمهور الفنّ المعاصر دون أنّ يُتهم بالعنصرية و الاقصاء؟ و إذ طبقنا الديمقراطية ألن نكون في مواجهة سيل من الأغلبية التي لا تعرف عن الفنّ غير طابعه الاستهلاكي التجاري؟

إذ هذا التقهقر ماهو الا نتيجة حتمية للديمقراطية الثقافية، أما الحكم العفوي و التلقائية الذوقية فتمثل استطيقا التلقى المعاصرة التي أجازتها المشروعية العددية ، إنّها تُحيلنا الى الثقافة السائدة و المشروعة في آن،و لعلّه في هذا المستوى نستحضر توصيفا لأمّ الزين بنشيخه تعالج فيه مفهوم الديمقراطية في عقر نشأتها الاغريقي حيث تقول” الديمقراطية تعود الى شتيمة اغريقية قديمة ما إنفكت محاورات أفلاطون تشدد عليها بوصف الديمقراطية حكم الرعاع و خراب كل نظام مشروع.[6]” أوليس هذا التجريح مفاده طغيان الاغلبية الفاقدة لنقطة إرتكاز معرفية؟ ثّم أليس كل أغلبية عددية متبجحة تحيل على ديكتاتورية؟

وهل الثقافة الشعبية المكابرة بعددها و الأذواق الجمالية المتعاظمة باعتباطيتها و تصحرها المبني على جهل ماهية الفنون المعاصرة لا تمثل رعاع ذوقي و خراب استطيقي لا يؤذن الا بالكارثة؟ أوليست الديمقراطية الجمالية ”خراب كل نظام مشروع” في الفن المعاصر؟

إن سحب مفهوم أليكسيس دو تكفيل ” ديكتاتورية الأغلبية” من مجاله السياسي الصرف على السياسات الثقافية المعاصرة و المتمثلة في الديمقراطية الثقافية التي أحالنا عليها ايف ميشو كبؤرة للفوضى المجتاحة للفنون المعاصرة و التي يرى فيها مسبب من المسببات المتباينة المؤثثة لأزمة الفنّ المعاصرة, لم يكن من قبيل التعسف المفهومي بل هو استنتاج قادنا إليه الاشتغال على التشخيص الذي قدّمه ايف ميشو في كتابه ” أزمة الفن المعاصر” خصوصا بعد الدراسة الإحصائية للتحولات الذوقية للفرنسيين. فان كان الفيلسوف لم يتطرق إلى مفهوم ” ديكتاتورية ذوق الأغلبية” كشعلة أولى أجّجت فتيل ” الأزمة،فان إطنابه في إبراز البون بين الذوق النخبوي و ذوق الأغلبية ،و الحرص على إحداث الفيصل بين الشقيْن أو الوضعيتيْن يشرّع لنا استدعاءه في هذا الجدال المعاصر لتماثل الوضعيتيْن و تعلقهما بالديمقراطية سواء كانت سياسية صرف أو سياسية ثقافية.

فبين الكسيس دي تكفيل و إيف ميشو نقاط إلتقاء مفادها أن كل أزمة متعلقة بالديمقراطية تكمن أساسا في تغول الأغلبية العددية ، ممّا يزجّ بنا في ديكتاتورية سياسية أو ذوقية متبجحة بمشروعية العدد والكمّ. أمّا في كتاب ”أزمة الفنّ المعاصرة” الذي أتقن صاحبه تقنيات التقصي في المسببات الممكنة للأزمة يظل مفهوم ” الديكتاتورية الذوقية” مفهوم مسكوت عنه في سياسة الديمقراطية الثقافية و في طيات الشعبوية الذوقية التي انحدرت بالاستطيقا من يوطوبيا التحقق الى ”القلق” على حدّ عبارة رنسيار[7] و ربّما القلق الرنسياري الذي يترجمه افتقار الحكم الجمالي للقيمة المعرفية يتعمّق في الهبوط و الانحدار المتواصل الى فجيعة إعلان ” النهاية[8]”.

إنّ الاحراج الذي يطرح في خضم اشكالنا هل كل أغلبية بالضرورة هي أغلبية صائبة؟ وهل أن كل أقلية هي بضرورة أقلية شاذة تقترب من أشباه الحقائق و أنصاف الصواب؟

_ الديكتاتورية الذوقية و الحشود

المشروعية العددية أو الأغلبية الذوقية، إذ ما أخضعناها إلى جدية التفكير و صرامة التقصي الفلسفي تبوح بالكثير من الاحراجات و نقاط الضعف التي لم تعد أبواق الديمقراطية قادرة على إسكاتها أو تضليلها و هو الأمر الذي سيجعلنا في هذا المستوى نستدعي غابريال تارد من خلال كتابه ” الرأي و الحشد” حيث يحاول فك لغز الحشد الذي يقوم مثله مثل الديمقراطية على مفهوم الأغلبية و المشروعية العددية. تارد يكتب” إن الجماهير شأنها شأن الحشود متعصّبة و متكبّرة و متبجّحة و مدّعية ، فهي تروم باسم الرأي العام ، جعل الكل يتنازل لها حتى الحقيقة نفسها عندما تزعجها.[9]” فأي قوة مغالطة و أي مشروعية زائفة و مزيفة في آن تتستر وراءها كل سياسة ترفع حبالها الصوتية باسم الأغلبية العددية، إنها معضلة فلسفية محرجة يدفعنا إليها التفكير في أزمة الفن المعاصر من جهة الديكتاتورية الذوقية و صعود الثقافة الفنية الشعبية بماهي كما أشرنا ثقافة هبوط و انحدار متواصل. فالأغلبية الاعتباطية سواء كانت سياسية أو ذوقية عادة ما تغذي داخلها مثلها مثل الحشد المعاداة للحكمة و الاعتدال و حتى للحقيقة كما يُسر لنا غبريال تارد إن كانت تنطوي على الإزعاج لها و لديكتاتوريتها العددية.

غابريال تارد الناقد للحشود و الجماهير ، إيف ميشو الناقد للديمقراطية الثقافية معتبرا إياها سبب في الدكتاتورية الذوقية التي أفضت إلى أزمة في الفن المعاصر، و الكسيس دي توكفيل المحذر من مغبّة ديكتاتورية الأغلبية، جمعهم الطرح المعادي لكل مشروعية تتبجّح بالأغلبية و الكم العددي معتبرة أن العدد أو الأغلبية ليست مقترنة بالأفضلية وبالاعتدال. غابريال تارد يُقر في هذا الصدد على شكل استفهام استنكاري”أليس من البيّن أنّه كلمّا تعاظمت روح المجموعة، و روح الجمهور، إن لم نقل روح الحشد في مجتمعاتنا المعاصرة بفعل تسارعت تيارات التبادل الفكري فقد لديها إحساس بالاعتدال أكثر فأكثر، فيغالي في تقدير الأشخاص و الأعمال كما يتم إحباطها بنفس التسرع.”[10] و بهذا تكون المشروعية العددية مشروعية واهية لا يمكن أن تنتصر للحقيقة و المعرفة و لا يمكن أن تحمل في طياتها الانتصار للحكمة أو الصواب .

غابريال تارد يجعلنا نطرح اكثر من سؤال حول المشروعية العددية ” تذكرنا الجماهير كما الحشود، شئيا ما بالمدمنين على الخمرة و في الواقع ان الحياة الجماعية القوية لهي بالنسبة الى الدماغ خمرة مريعة.”[11] فاي خمرة مريعة هذه التي ترافق الحشود و الاغلبية؟ و فيم تظهر حينما يكون حديثنا عن الاستطيقا و الفنون المعاصرة؟ و كيف للأغلبية أن تكون خمرة مريعة معها ينتفي العقل؟

فلسفيا يكون استحضار مصطلحات من قبيل ” الخمرة المريعة” على حد عبارة غابريال تارد أو ” الأفيون” على حد قولة ماركس، استحضارا مجازيا فيه إقرار بغياب العقل و تعطّل فعل التفكير حتى تصبح الدغمائية هي السائدة أو ” الوعي القطيعي” وعي الأغلبية التي تمارس ديكتاتورية على الأذواق و الأحكام الاستطقية التي أنتجتها الثقافة الشعبية بعد الذوبان الواضح لثقافة النخبة كما استدل على ذلك ايف ميشو، و تبني هذه الأغلبية أحكامها و أذواقها لا على الفكر و العقل، و إنّما على المحاكاة و التقليد التي تقضي بدرء الاختلاف و الحكم الذوقي المتزن لتكون كل محاولة للاستفاقة من تأثير خمرة الأغلبية او الحياة الاجتماعية المريعة شذوذ لا طائلة منه بالنسبة إليهم، وتكون الطامة ، إنّه السقوط في فخ دكتاتورية الأغلبية و دغمائية الثقافة الشعبية.

إن أزمة الفن المعاصرة لم تكن من لُدن الفنون و الاستيتيقا بقدر ما كانت نهاية طريق لانهيارات و تداعيات سياسية، اجتماعية، و ثقافية لها عميق الارتباط بالجمال و الإبداع الفني كمبحث تقليدي ليكون بعد الدحرجات المتتالية كدحرجات كرة الثلج ذا حجم اكبر من حيث انه أصبح مبحث للازمات و الفوضى و اللا تواصل بعد ما كان الفنّ و الجمال الممسك لأطراف المتباعدة و الماحي لثغرات الهوّة بين ماهو عملي و ماهو نظري كما رسمت ذلك الفلسفة الكانطية. فـالتتبع للمنهج الأركيولوجي في الحفر و النبش حول مسببات انهيار الفنّ المعاصر، يجعلنا على يقين ان مستهل بحثنا استطيقي فنّي و تفرعات البحث ستحملنا الى اللا متوقع.

و هنا يبقى التساءل قائما هل الديمقراطية الثقافية المسؤولية عن كل هذه الفوضى التي سكنت الفن المعاصر؟ و بهذا هل تكون نتائج السياسات الثقافية للدول بوادر دعم أو تهميش للفنون؟ ألا يمكن البحث عن علاقات أخرى ممكنة للفنّ لا يكون فيها للسياسة دور السياط أو الحرفيّ المتقن لتحريك الدمى؟ و هل يمكن الاقرار انّ الديمقراطية الثقافية و ما تناسل عنها من الديمقراطية ذوقية و ثقافة شعبية هي وحدها ما يُشار إليها باصابع الاتهام في أزمة الفن المعاصر؟

 


 

[1]  في مقدمة مقالها ” الأدب و الديمقراطية في تأويل جاك رنسيار ” توضح الأستاذة أم الزين بيشيخه الهجمات الفلسفية على الديمقراطية قائلة” يحدثنا ألان باديو عن ” وهم الديمقراطية” و نعوم تشومسكي عن ديمقراطية البروبغندا الاعلامية و أدلجة الرأي العام و جون لوك نانسي عن ابتذال مفهوم الديمقراطية و سقوطها في اللامعنى” مجلة الباب عدد5 ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط 2015، ص 144.

[2]  إن الديمقراطية كنظام سياسي لاقيت نقد لاذعا في الكثير من المناسبات خاصة تلك النظريات التي ترى فيها دكتاتورية الأغلبية التي تحدث عنها الكسيس دو تكفيل انظر Alexis de Tocqueville , « De la démocratie en Amérique »

[3] Yves Michaud, La crise de L’art contemporain,PUF, Paris,1997,p51

[4] Yves Michaud, La crise de l’art contemporain, « puisque 78% des sondés jugeaient les œuvres en termes d’émotion spontanée, et que seulement 16% faisaient référence à une connaissance. », op cit. p53

[5]  جون جاك رنسيار” كراهية الديمقراطية”، ترجمة أحمد حسّان، بيروت القاهرة تونس ، دار التنوير2012، ص48.

[6]  أم الزين بنشيخه، الأدب و الديمقراطية في تأويل جاك رنسيار، المصدر مذكور،ص 146.

[7] Jacques Rancière,Malaise dans l’ésthétique,Editions Galilée, Paris,2004.

[8] Jean-Marie Schaeffer, Adieu à l’esthétique,PUF, paris, 2000.

[9] G. Tarde, « L’opinion et la foule », PUF, Paris, 1989. P 25.

[10] Ibid

[11] Ibid.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: