أزمة الاستحقاق وأساسها المادّي

img

فاطمة بنمفتاح
أزمة الاستحقاق وأساسها المادّي

ونحن نتأمّل الوجود ونلامس اهتياجنا العاطفي لا ننسى أن نتطرّق لمركزيّة الذات وأزمة الاستحقاق التي تحيلنا إليها هذه الفترة الوبائيّة التي استبعدت وهم العقلانيّة الهشّة والمعالجة الموضوعيّة والعلميّة للأشياء.

فلئِن كانت الموضوعيّة هي النظر للأشياء من خارجها بوصفها ومعاينتها، وإن تموضعت الذات مع فلاسفة العقل في مواجهة الوجود المادي فهي تتحوّل مع سيكولوجيا التخلّف التي تطبع البلدان المرمية على هامش العقل إلى “عاهة التمركز”.

الذات من صراع الكوجيتو إلى عاهة التمركز

وإن ارتبطت الذات بالوعي والادراك فإنّ الذاتيّة تمثّلت في المواقف والآراء التي تصوغها الذات والتي قد تعتمد فيها الموضوعيّة كأسلوب للتعبير عن قدرتها في المعالجة العلميّة والمتجرّدة أوقد تسقط بوعي أو دونه في الانطباعيّة والمزاجية وترتمي في قوقعة التمركز.

ونحن نقتفي أثر الذات في البلدان النامية سنجدنا أمام عطالة في بناءها وتطوّرها تحيلنا على عطالة هذه البلدان المرميّة على هامش عمليّة الإنتاج والانتاجيّة في بناء أدوات قوّتها وصناعة ثروتها.

إنّه أثر الذات المحدّد الأساسي للسيكولوجية الجماعيّة بماهي نتاج للبنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة المتخلّفة.
هذه السيكولوجية الجماعيّة القائمة على أساس مادّي متخلّف تجد تطوّرها وتفرّعها في الرؤية الانفعاليّة والانطباعيّة التي تتكوّن لدى الفرد في علاقته بنفسه وبمحيطة وعالمه الخارجي من سياق منظوره ذاتي.

” الأنا” بما تحمله من تمركز هي الركيزة الأساسيّة والجوهر الرئيسي للتعبير الجمعي عن تخلّف البنية الذهنية الجمعيّة وإن ادعت بعض التجرّد فهي محاولة عرجاء للمعالجة الموضوعيّة للأشياء.
عمليّة بتر تصيب النموّ الفكري والنفسي الجمعي لتصبح التداعيات الذاتيّة مركز العالم من الناحية الفكريّة ويصبح الانطباع الذاتي أساس الأحكام التي ينظر فيها الانسان إلى الأشياء بمنظاره الخاص ولا يفكّر سوى في ذاته ومن خلالها.

صناعة العواطف والتحكّم فبها

هذه المركزة حول الذات بما تعنيه من تفاعلات انطباعيّة وتعبير انفعالي عن قيمة الأشياء هي تفرّع للفردانيّة وطموح السلطة ووهم القيادة أو لنقل من إحدى عاهات السلطة الخارجة عن سيطرتها الموضوعيّة.

وكيف لأساس مادي متخلّف أن يدخل في إطار السيطرة العقلانيّة؟
بل إنّ العقل والموضوعيّة يقتضي نهاية سلطة متفرّعة عن سيكولوجيا التخلّف… فالسلطة في البلدان المرمية على هامش التطوّر والارتقاء تغذّي التمركز حول الذات وتوفّر له أدوات وعي تصنعه وتساهم في تكاثره لضمان ديمومتها وشرعية وجودها.

أزمة استحقاق سلطويّة تكمن في الانطواء على الذات تمنع حاملها من إدراك أفكار الأخر والتعايش معها ناهيك عن عدم قدرته على التعايش مع واقع مغاير لتفاعلاته الذاتيّة وانطباعاته الانفعاليّة التي تحوّل الآخر لمجرّد مكوّن هامشي لا ينطوي على قيمة بذاته إلاّ إذا انساق وراء تصوّرات الذات المتمركزة حول نفسها.

نزعة كليانيّة وشموليّة تسيطر على تفكير الذات المتمركزة بشدّة حول ذاتها يخلط فيها الذاتي بالموضوعي ويصيب العقل بشلل العواطف الخارجة عن الإدارة …سيقودنا لمزيد من الدمار والهدم والتعطيل للتحرّر الإنساني.
فكما يقول أبيكتات ” إنّ مايحدث للنّاس من اضطراب ليس من جرّاء الأشياء بل من جرّاء حكمهم على الأشياء”
ولعلّ أشدّ الأحكام خللا هي الأحكام العاطفيّة المنكبّة عن العالم الداخلي وغير المنفتحة عن أراء الآخرين والمستبعدة للمعرفة.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: