أزرار الليل… حذاء الفجر- الشّاعر صالح سويسي

img

أزرار الليل… حذاء الفجر

 

شعر:صالح سويسي

 

يَجْمَعُونَ شَتَاتَ أَحْلاَمِهِم

يُعِيدُونَ تَرتيبَ أَحْزَانِهِم

ثُمَّ يَبْحَثُونَ في زَوَايَا الخُرَافَاتِ القَدِيمَة

عَنْ خِزَانَاتِ الجَدِّ الأَوَّلِ

صَاحِبَ الأَخْتَامِ

وَالأَقْلَامِ

وَالكَرَامَاتِ العَظِيمَة

___________

الجَدَّ الّذِي كَانَ يَنْفُخُ فِي الغُبَارِ

يَضْرِبُ بِعَصَاهُ المَاءَ

يَنْهَرُ النّسْوَةَ عَنْ مَائِهِ

ثُمَّ يُمَرِّرُ كَفَّهُ فَوْقَ غَيْمَاتِ نُوفَمْبَر

كَيْ تُضِيءَ وُجُوهَ الصِّبْيَةِ

وَتَتَفَتَّحُ دِنَانُ السَّمَاء

___________

وَ هُمْ…

كَانُوا يُقْفِلُونَ أَزْرَارَ اللَّيْلِ

وَيَرْجُمُونَ كُلَّ نَجْمَةٍ

قَدْ تُطِلُّ مِنْ شَقٍّ فِي السَّمَاء

يَرْسُمُونَ عَلَى الجُدْرَانِ أَشْلَاءَ أَحْلَامِهِم

يَنْزَعُونَ عَنْ الجِيَادِ سُرُوجَهَا

وَيُطْفِئونَ مَصَابِيحَ رُؤَاهَم

___________

قَالَ الجَدُّ:

“إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون”

وَطَلَعَ مِن بَيْن أَصَابِعِه ضَوْءٌ

أَوْ هَكَذَا خُيّلَ لِلأَبْنَاءِ

أَبْنَاءَ الوَقْتِ المَسْكُوبِ كَمَاءٍ يَجْرِي

بَيْنَ شُقُوقِ العُمْرِ

قَالَ الجَدُّ وَالضَّوْءُ يَزيد:

“يَا أَبْنَاءَ الوَقْتِ المُوغِلِ فِي صَمْتِهِ

وَسَوَادِهِ

وَنِهَايَاتِه

“قُومُوا…

فَاجْمَعُوا مَا تَبَقَّى مِنْ طِينِكِم وَمَائِكِم

وَأَلْبِسُوا الفَجْرَ حِذَاءَهُ

كَيْ لَا يَطِيرَ مَعَ الحَمَامِ

أَوْ…

يَكْنُسَهُ الشَّتَات

___________

قَالَ الجَدُّ …

وَهوَ يَرَى جِرْذَانَ اللَّيلِ تَعْوِي

تَحْتَ قَمِيصِ الفَجْرِ:

“سَيَأتي عَلَى النَّاسِ دَهْرٌ

يَسْحَبُونَ ذُيُولَ خَيْبَاتِهِم تَحْتَ نِعَالِهِم

يُسَاقُونَ مِثْلَ أَغْنَامٍ

وَتَعْتَلِي أَكْتَافَهُم أَكْدَاسُ الدُّخَان

سَيَجِفُّ الضَّوْءُ فِي أَحْدَاقِهِم

وَيَسِيلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِم مَاءٌ

وَتُرَابٌ

وَغُبَار …

وَفِيمَا يُعِيدُ الأِبْنَاءُ تَرْتِيبَ الحُرُوفِ

وَرَسْمِ خَارِطَةِ المُنْتَهَى

تَنَهَّدَ الجَدُّ…

وَنَام…

————–

صَبَاحًا

تَوَزَّعُوا فِي البَرِّ والبَحْرِ

طَافُوا الشَّوَارِعَ وَالأَزِقَّةَ وَالبُيُوتَ

بَحَثُوا فِي جُيُوبِ العَابِرِينَ

تَصَفَّحُوا الوُجُوهَ

فَتَّشُوا بَيْنَ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ

وَقَلَّبُوا أَوْرَاقَ السِّنِينِ

كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الجَدَّ حَزين…

لَكِنَّهُم لَمْ يُدْركُوا أَسْرَارَ الحُزْنِ

وَلاَ طَعْمَ الأَنِين

———–

لاَ جَدَّ اليَوْمَ وَلَا وَصِيَّةَ

فَقَطْ غَيْمَاتٌ دَاكِنَاتٌ

تُعَشِّشُ فِي دَوَاخِلِهِمْ

وَزَمَنٌ مِنَ التِّيهِ يَقْتَرِبُ

————

هُوَ الآنَ يَسُوقُ أَيَّامَهُ مِثْلَ عَرَبَةِ قِطَارِ بُخَارٍ قَدِيمٍ

لاَ أَحَدَ يُلْقِي التَحِيَّةَ أَوْ حَتَّى يَمُرُّ

تَمَامَا مِثْلَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ

نَسِيَهَا المَطَرُ وَالنّاسُ بَيْنَ رِمَالٍ تَتَثَاءَب

تَتَوَقَّفُ العَرَبَةُ

تَأتِي رِيحٌ مِنْ مَكَانٍ مَا

تَنْفُخُ فِيهَا…

فَتَسِيرُ

وَيَبْقَى هَوَ وَحِيدًا

أَشْبَهَ بَشَجَرَةٍ نَسِيَهَا المَطَر

————–

وَفِي الأَثْنَاء…

مَازَالَ الأَبْنَاءُ يَبْحَثُونَ فِي الحُفَرِ

وَالكُهُوفِ وَتَحْتَ شُجَيْرَاتِ العِنَبِ التِي زَرَعَهَا الجَدُّ ذَاتَ أَمَلٍ

—————–

تَصَاعَدَ فِي سَمَاءِ البِلاَدِ دُخَانٌ

عَلَتْ أَصْوَاتٌ مِنْ هُنَا أَوْ هُنَاك

هَلْ خَبَّأَ اللهُ أَسْرَارَهُ تَحْتَ وِسَادَةِ الجَدِّ

كَيْ تَتَشَقَّقَ السَّمَاءُ وَتَتَدَلَّى أَلْسِنَةٌ سَوْدَاء؟                                                                                                                       كانت الأَرْضُ تَتَثَاءَبَ مِثْلَ مِنْدِيلٍ

بَيْنَ يَدَيْ سَاحِرٍ  فَقَدَ أَصَابِعَهُ

لاَ المِنْدِيلُ صَارَ حَمَامَةً

وَلاَ السَّاحِرُ  ظَلَّ طَرِيقَهُ للسَّلاَم

وَحْدَهُ الجَدُّ يَتَّكِئُ على أَرِيكَةِ الوَقْتِ

ويَنْفُثُ دُخَانًا تَصَاعَدَ فِي سَمَاءِ البِلادِ…

وَلاَ بٍلاَدْ

————–

تَرَنّحَتْ نَسَمَاتُ فَجْرٍ جَدِيد

مَشَى بَيْنَ النَّاسِ مُنَادٍ

“مَنْ رَأَى جَدًّا؟

شَامِخًا كَنَخْلَةٍ

وَاثِقًا كَزَيْتُونَةٍ

حَكِيمًا كَبَحْرٍ

مَنْ رَأْى جَدًّا يَمْشِي النُّورُ أَمَامَهُ

وَيَلْبَسُهُ الضِّيَاءُ؟

جَدًّا يَفْتَحُ نَوَافِذَ الرُّوحِ عَلى الآتِي

وَيُعِيدُ تَشْكِيلَ الأيَّامِ

نَادَى المُنَادِي وَصَاحَ النَّاسُ في الأَصْقَاعِ

وَفي كُلِّ فَجٍّ

وَلاَ جَدَّ اليَوْمَ وَلَا …

بِلاَدْ

———–

في الخَارجِ تَعْوِي ريحٌ

تَتَرَنَّحُ أوْرَاقُ الزّيْتُون

وَخَلْفَ الجُدْرَانِ السَّمِيكَةِ

يَسْتَلْقِي الوَقْتُ في صَمْتِ الكَلِمَات

يَخْتَنْقُ الصَّوتُ في تَجَاويفِ الصَّدَى

تَحْتَرقُ الحُرُوفُ حَرْفًا فَحَرْفًا في لَهِيبِ الذِّكْريَات

يُغلِقُ الأبْنَاءُ شَبَابيكَ الذَّاكِرَة

كَيْ يَظَلَّ الوَقْتُ مُتَّكِئًا حِذْوَ المِدْفَأةِ

———–

يَنْسَى الأبْنَاءُ الجَدَّ

تَتَسَلَّلُ عَبْرَ شُقُوقِ الفَجْرِ

أصَابِعُ وأَلْسِنَةٌ ورمَالٌ

يَفْتَحُونَ الشَّبَابِيكَ صَبَاحًا كي تَدْخُلَ شَّمْسٌ

وَتُمَرّرَ يَدَهَا عَلَى وُجُوهِ الصِّبْيَةِ

وَتَغْرِسَ أظَافِرَهَا في جُدْرانٍ نَفَخَ فِيها الجَدُّ مِنْ رُوحِهِ ذَاتَ قِيامَة

————

في الأثنَاءْ…

يَطْلَعُ دُخَانٌ لاَ لَوْنَ لَهُ

وَبَيْنَ حَجَرَيْنِ ضَئيلَيْنِ تَنْفَجِرُ مِيَاهٌ سَوْدَاء

تَهُبُّ النِّسْوَةُ وَالأطفَالُ

ثَمَّةَ عِطْرٌ أخَّاذٌ يُطِلُّ مِنْ خَيْطِ دُخَان

وَهُنَالِكَ صَوْتٌ خَافِتٌ

يَتَمَدَّدُ مِثْلَ ظِلالِّ نَخِيل

يَصْرُخُ طِفْلٌ: هَذَا صَوْتُ الجَدّ

صَاحَ الجَمْعُ:

عَادَ الجَدُّ…

عَادَ الجَدُّ

——– —-

كَانَتْ الكَلِمَاتُ تَحْتَرِقُ فَوْقَ شِفَاهٍ شَقَّقَهَا الشّوْقُ

وَكَانَ الحُزْنُ يَتَرنَّحُ في النَّظَرَاتِ الذَّابِلاَتِ

تَظَلَّلَ النَّاسُ بِابْتِسَامِاتِ الصِّبْيَةِ

وَفَتَحُوا صُدُورَهَمْ للرّيحِ عَاتِيَةً

فانْفَجَرَت اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا

وَلَكِنْ…

لاَ أَحَدَ عَلِمَ مَشْرَبَهُ

فَسَالَ الماءُ بَعِيدًا

وَظَلَّتْ…

قُلُوبُهُمْ عَطْشَى

—————–

قُلُوبُهُم  يَبِسَتْ مُنْذُ عُمْرٍ

مَا عَادَت تَرى غَيْرَ السَّرَاب

تَلاَشَى النُّورُ مِنْهَا

وَتَشَتَّتِ الرُّؤَى في دُرُوبِهَا

فَغَدَوْا

يَجُرُّونَ قُلُوبَهَم خَلفَ خَيْبَاتهِم

مِثْلَ جُذُوع جَفَّت…

وَتَهَيَّأت لتكُونَ فَاكِهَة لِمَوَاقِدِ الشِّتَاء

————

وَجَاءَ مِنْ هُنَاكَ رَجُلٌ يَسْعَى

قَالَ: إنِّي رَأَيْتُ الجَدَّ أَعْلَى جَبَلِ التّوَهَان

رَأيتُهُ يُحْصِي هَزَائِمَكُمْ وَيَعُدُّ مَعَارِكَكُمْ مَعَ الرِّيح

ويَمْسَحُ دَمْعَ الأطفَالِ بأَوْرِدَةٍ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ هُو

وَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ:

اِسْتَرَقْتُ السَّمْعَ  لَكِنِّي لَمْ أَسْمَعَ غَيْرَ أَنِينٍ

وَحَشْرَجَةِ الحُرُوفِ تَخْرُجُ مُثْقَلَةً بِالحُزْنِ

—————

كَانَ الجَدُّ يُرَتّلُ:

إذَا الجُرْحُ لاَنَ وَضَمَّدَ جُرْحَه

وَسَالَ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهِ لَوْحَه

حُرُوفًا تَثورُ صُرَاخًا وَبَوْحَا

وَنَامَ الغَريبُ وحِيدًا كَئِيبًا

يُغازلُ فَرْحَه

——————

تبادل الأبناء نظرات ثقيلة

واجتمعوا حول طاولة الخلاص

قَالَ قَائِلُهُمْ:

لاَ جَدَّ بَعْدَ اليَوْمِ

أغْلِقُوا أَزْرَارَ اللَّيْل

وانْتَعِلُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَحْذِيَةِ الفَجْرِ

وَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ

عَلَّ التُرَابَ يَمْتَصُّ عَرَقَ الوَقْتِ

وَدِمَاهْ

وَتَتَسَلَّلُ الرّيحُ في أًقْبْيَةِ الذَّاكِرَةِ

فَتَنْمُو أَشْجَارٌ

وَأَزْهَارٌ

وَأَقْدَارٌ

وَتَضِئَ…

نَجْمَاتُ العُمْرِ

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً