أخاف النسيان، وأخاف الخوف أكثر- رانية طراد 

img
في كل مرة أجلس وأعدد خيباتي، كأنني أعيد تصويرها، والصاقها في ملف ذاكرتي، أرفض قصهّا أو محوها، أن أرميها عرض الحائط.. أن تندثر وسط الزحام ويصير صوتها هباء.. أخاف أن تفقد بصرها.. و تضلل الطريق وتنصاع عن مسارها.. فقد تلتصق بآخر فيعاني عبأها وتصبح لعنة.. أو أن تُمحى الألوان منها، وتصبح شفّافة تعاني الفراغ، والطبيعة لا تحبذه، فيمكن أن تعيش صراع ولا أقدر على حله أو تشفيره، لأن الصور.. كلما أكلها الزمان.. تبني لنفسها ألوانا أخرى، هو صراع لا نلاحظه بأعيننا المجردة، لكن بقلوبنا، التي تصير مع مضي الزمان أكثر بؤسا… وهذا البؤس لا يشفى الا بالألوان..
لذلك تجدني أنشب فيها، وأنفض الغبار عنها، أُعرِف نفسي أمام كل “ألبوم”.. مرحبا أنا فتاتكَ.. تركتَ وحيدا أعرف.. لكني أنا كذلك وحيدة، جئت لزيارتك حتى تتذكر أني أحملك بداخلي، فقط أخذتني بعض الخيبات الأخرى، تعلم جيّد أن وجودنا عبارة عن سلسلة من الخيبات، تنفصل الواحدة عن الأخرى، تختلف في عاملي الزمان والمكان، تكون الشخصيات عامل حسم، تلعب إما دور الحاضر/الغائب، أو الغائب /الحاضر ،نعم هي أدوات أساسية نستعملها في السرد والقص.. وفي الرواية.. وهو من إحدى أدواته الرئيسية والأ فكيف ستُبني قصتنا مع الوجود، دون تقسيَم خيباتنا، وكل ما يليق بهم من تفاصيل..
وحدها التفاصيل مهمة،ما بقى عالقا لم يمح، ما لم يهاجر، لم يقتطع تذكرة نحو بلد اكثر أمن من هذا، نعم، في المعظم تكون الهجرة هي الحل، بتعلة أن هذا الوطن شاق، يزجنا للهروب حتى نحو المجهول، المهم أن لا نبقى، فلا نهتم للتفاصيل عند الرحيل، لكن هي التي تهتم لأمرنا.. تبقى واقفة على أطراف الذاكرة، تلوح بأيادي مرتعشة، بجسد أنهكه الانتظار على عتبات النسيان، وأكثر النسيان.. رغم صراعه معه، صراع الخوف اللامتناهي منه، من أن يلتهمه فيصيح جسد بلا روح، هذه اللحظة، لحظة إعلان الموت، هي اللحظة التي تتمرد فيها كل المبادئ عن مبدإها، تحل الفوضى عوض النظام، تنقلب المرئيات لمجردات.. فيعلن الخواء سلطته.. وننسى..نصبح عبارة منتهي الصلوحية، لا تعرف حتى المكونات البسيطة وأدبيات الحياة، لا ملامح صغرنا ولا الأجساد التي عانقتنا، كل الروائح التي عُلّقت.. وأشتممناها بنفس عميق في خلوتنا، عند العودة.. نكون أكثر تجردا من الواقع، فنخلو لمكان لا أعين ترانا فيه ولا حتى.. أعيننا، نصر على ترك كل الأضواء مغلقة، تتعرى كما لو كنّا للوهلة الأولى ،نتتطلع ببياضنا،فنرى لثغرات لا تشبهنا، نشتمها.. من أجل التعرف، فلا نعرف لها إسم.. لأننا قد نسينا.
كيف كل هذا جرى، من أين جئت بكل هذه القدرة للذهاب مجددا وإقتحام نفس المكان الذي نُفيتُ فيه، أيمكن أن يخلق الفراغ منا أناس متطفلين؟ أو أن يجعل منا أعداء لذواتنا.. لم أنس هذا السؤال للأسف، يطاردني صباحا مساء، تناسيته ولم أخف، تصورت أني اكثر جرأة من المرآة التي صاحت في وجهي ‘لا’، ليس هذا الطريق.. إنه اكثر فراغ مما أنت فيه الآن، لكنني ذهبت بتردد نعم، لكن بلا خوف.. كان خوف نسيان الموعد أكثر سيطرة من خوف الخيبة.. إلى إن إستيقظت صباحا من ذاك الظلام، وجدتني أعانق روحي كما للمرة الأولى.. اقول، أخاف النسيان والخوف أكثر، الخوف من أن أصير ذكرى بلا فائدة.. شاحبة.. لا ترى ولا تُرى، فقط.. تتذكر.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: