أحلامنا في باريس-محمد عطية

img

طريق طويل ذاك الذي سرت فيه تلك الليلة أو هكذا خيل لي أحمل حقيبة سفري بيدي لأعبر انهج الحي الذي ولدت و ترعرعت فيه ، كنت صغيرا جدا عندما أحببته , لم أع شيئا في ذلك الوقت لكنني الآن لا أحبه فهو لا يشبه شوارع باريس الجميلة و لا أعلم لماذا تتسارع دقات قلبي الآن , هل هو الشعور بالحنين ؟

وصلت إلى منزلنا المنزل الذي غادرته قبل خمس سنوات , وقفت لوهلة أشاهد المنزل العتيق , مازال كما هو أدخلت يدي في جيبي و سحبت محفظة اواقي , فتحتها و كانت صورة كريستينا الشقراء حبيبتي اول ما رأتها عيني , قلت لنفسي يا إلهي كم هي جميلة , هذه المرأة التي احبها , بحثت عن صورتنا العائلية القديمة و أخذت أقلّب بصعوبة  وجوه الموجودين بالصورة كيف كانوا قبل عدة سنوات .. أحاول جاهدا أن أتخيل كيف اصبحوا , أبي و أمي و إخوتي هل ما زالوا على العهد ؟ هل غفروا لابنهم الذي رحل و لم يذكرهم لخمس سنوات ؟ لكن أحالمي كانت هناك دفنها لويس الرابع عشر تحت قوس النصر بصندوق خشبي و خبأ المفتاح بقصر فرساي العظيم لم تكن لي حياة هنا لم أكن انتمي الى هنا و لكن لماذا كل هذا الحنين اذا ؟ لماذا أرتعش و لا أستطيع طرق الباب ؟

أعتقد انهم سيغفرون لي لقد تعلمت و كنت الأول على دفعتي جمعت بعض المال يكفي لشراء منزل جديد و ربما أساعد اختي في مصاريف زفافها من المؤكد أن لها عريسا الآن ،ربما سيغفر لي أهلي أو لعلي لست مذنبا .. طرقت الباب فجأة و بدون اي تفكير و كانت بضع لحظات أطول من الخمس سنوات التي امضيتها بباريس و أخيرا سمعت صوت وليد أخي الصغير يقول : من الطارق ؟

الى هنا ينتهي هذا الكابوس أنظر الى اليمين فأرى المنبه يشير إلى الساعة الرابعة و إحدى عشر دقيقة أجل اذكر هذا التاريخ جيدا , اليوم الرابع من شهر الحادي عشر تاريخ سفري الى فرنسا لأكمل تعليمي هناك , أو كان من المفترض أن يكون , أنظر إلى اليسار فأرى سعاد زوجتي تغط في نوم عميق و الآن فقط اتذكر أنني تزوجت منذ سنة , اتحسس الخاتم في اصبعي لأتأكد من ذلك ربما عقلي لم يستوعب هذا إلى الآن , اترك الفراش الدافئ و ارتدي ملابسي في هدوء خشيت ازعاج سعاد ثم أخرج من المنزل، امشي في الطريق متجها الى محطة القطار هذا الطريق الذي كان عليّ أن أعبره  باتجاه منزلنا منذ أيام عائدا من باريس لكن الاقدار  لم تشئ هذا و لعلي انا لم أكن شجاعا بالقدر الذي تطلبه الأمر و لا أعلم لماذا اذكر قصة نابليون العظيم عندما كان ضابطا شابا في الجيش الفرنسي,اندلعت الثورة , كان يعتزم العودة إلى مدينته كورسيكا ليشارك في تحريرها من الاستعمار الفرنسي لكنه مر بباريس في طريقه الى هناك و أدرك في باريس أن لا تغيير يبدأ من كورسيكا فقرر أن يظل في باريس ليقود الثورة و ما هي إلا بضع سنوات حتىاجتاح جيش نابليون العظيم العالم ليخضع العالم بأسره لسطوته و لو أنه غادر إلى كورسيكا ما كان ليكون اي شيئ, انا ذلك النابليون الجبان الذي عاد لكورسيكا , تركت أحالمي معلقة في باريس و ذهبت لكورسيكا عثرت على وظيفة حكومية أعيش من دخلها , تزوجت ،حصلت على حياة كئيبة لا معنى لها و تركت المجد و القوة . اخترت الخيار الاكثر أمانا تماما كما قال أبي و أدركت الآن و يا ليتني أدركت هذا قبل الآن لماذا أصر أبي على أن لا أذهب , لأن الرجل يضعف و يصير جبانا عندما تكون له عائلة ينخفض سقف طموحاته و احالمه فيبحث دوما عن الحل الانسب و الاكثر أمانا , يخشى المخاطرة لكنه ليس خطأك يا أبي و ليست الاقدار من أرادت لي عكس ما أردت انا اخترت أن أكون جبانا و أتخلى عن أحالمي .

عدت الى المنزل لأجد ابي عند الباب أخبرني أن أصدقاء لي بالداخل فرافقته الى قاعة الجلوس و هناك رأيت فور دخولي نابليون يجالس اينشتاين و هيدن ، يستمتع هتلر بتقبيل كريستينا حبيبتي الفرنسية التي ارى صورتها في المنام لم انتبه للنقاش الجاد بين نيتشه و ستالين و خيل لي أن نيكوال تسال قد تصالح مع أديسون أخيرا و جلسا كصديقين حميمين ثم دخلت سعاد زوجتي تحمل قارورة من النبيذ قالت إن ستالين احضرها و هو عند الباب يطلب الاذن للدخول , اجتمع الحضور حول الطاولة ليشربوا نخب حياتي  الكئيبة معزين أبي في ابنه الذي مات و هو في العشرين من عمره .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: