أثر الكورونا

img
فوضى الكورونا أو كورونا الفوضى :
بقلم : سفيان جاب الله 

قد لا يحدث أثر جناح فراشة في البرازيل  اعصارا في تكساس، لكن تقديم طبق فيه لحم “آكل نمل” في الصين قد يحدث، أو قد أحدث فعلا، وباء في مدينة “ووهان” و جعل “فرانسيسكو” في ميلانو لا يستطيع دفن أمه، قد أحدث وباء عالميا أطلق عليه جائحة “كورونا”..

هكذا،  يمكن أن نبسط نظرية الفوضى/الشتات ونفسر من خلالها ما حدث على مستوى كلي..
فتطور العلوم الصحيحة، وبالتالي العلوم الاجتماعية، يخبرنا في ظل هذه الطروف بخبر غير سار . فبان بالكاشف، بنظرية الفوضى/الشتات، أنّ لكل الأنظمة ديناميكية. وديناميكيتها تخضع لفترات استقرار وفترة تغيير. هذه الأخيرة لا يمكن توقعها، إمكانية حدوثها متساوية مع إمكانية عدم حدوثها… ولا وجود لسبب حيني مباشر لظاهرة ما بل هي تضافر معقد لأسباب صغيرة تُنتج، على المدى الطويل، أثراً ما. أثر هو بدوره لا يقتصر تأثيره على نطاق نشوئه بل هو معدي وبمجرد حدوثه يجعل ما سَيلِيهْ غير قابل للإزالة! أثر لا نستقرؤه ولا نستنتجه بل ننتظر حدوثه… إنه “أثر الفراشة” أو لنقل” أثر الكورونا”..
..
كيف ينتشر الفيروس جذموريا؟؟ 
  مقابل الشجرة  وضد الشجرة التي تشكل محورا تنتظم حوله الأشياء في دوائر، وتعيّن نظاماً من النقاط والأوضاع فتفرض منظومة تراتبية، وانتقالا لأوامر تصدر عن مركز وتعمل وفق ذاكرة استرجاعية تؤطر الممكن، ضد كل ذلك، يقوم مفهوم الجذمور الذي يعيّن عالما ترتد فيه حقيقة الأشياء إلى علائق وبينيات لا تحيل إلى حدودها المكوِّنة، فتضعنا أمام شتات، أمام ترابط  لا يخضع لمبدأ قار : هكذا ينتشر الفيروس..
                     نساء  هونغ كونغ يجلسن في الشارع بأقنعة صحية للوقاية من الإصابة بالفيروسات التاجية. تصوير ميغيل كانديلا
                                                                         مصدر الصورة  :موقع the verge
كوكب اقتسام المخاطر:
انتقلنا، وقالها عالم الاجتماع الألماني “أوريش باك” وننقلها عنه، من عالم نفكر فيه في حيثيات تقاسم الثروات، عادلا كان اومتفاوتا، إلى عالم نفكر فيه في حيثيات تقاسم المخاطر ومداها. عالم صار، كما تحبذ تسميته الدعاية النيوليبيرالية، قرية كونية. قرية قد تنتشر فيها عدوى الموضة والثورات وكذلك الأوبئة..
الكورونا، الببادق، خطوة خاطئة وشطرنج اجتماعي:
يتحرك بيدق فوق الرقعة، حسب إمكانيات التحرك المطروحة أمامه. وبمجرد تحركه صارت إمكانية حركة كل القطع بجانبه وأمامه ووراءه مرتبطة به وصار الملك تابعا، في استراتيجيته وفي تكتيكات الملكة، لما فعله البيدق.
نظرية الشطرنج الاجتماعي، ومن خلال المفهوم التبعية المتبادلة، يفسر من خلالها عالم الاجتماع الألماني “نوربارت الياس” كيف يعمل المجتمع، مجتمع الأفراد كما يحلو عنونته.
بالتالي ولو كنت أنت، يا قارئ هذه السطور، متوقيا مئة بالمئة وملتزما بكل إجراءات السلامة والنظافة والوقاية والتباعد الاجتماعي، فأي فرد في مجتمع الأفراد هذا، في ظل التبعية المتبادلة فوق رقعة الشطرنج الاجتماعي، أي فرد قادر على قتلك بمجرد كونه، كإنسان حر ومسؤول، قرر أن يقي نفسه بنسبة 99 بالمئة فقط. ففي زمن الأوبئة، خاصة في زمن الكورونا، صرنا غير قادرين على استيعاب مفاهيم الحرية والالتزام والمسؤولية كما كنا نستوعبها قبل انتشار الجائحة. انت اليوم خائف من وعلى سلامة الجميع والتزامهم بالوقاية. ليس حبا فيهم بل خوفا منهم، ليس تدخلا فظا في شؤونهم بل خوفا من أن تتضرر من قلة وعيهم، ليس إيمانا منك بالدكتاتورية، انت أكبر المدافعين عن الديمقراطية، بل خوفا من أغلبية صرت تراها أكثر من ذي قبل جماعة كبيرة من الهمج والرعاع وسقط المتاع لأنهم باستهتارهم قد يقضون على بقية السكان القابعين في نفس الرقعة الجغرافية.
مصيرك ليس رهين تصرفاتك بل رهين كل مواطن ينتمي للدولة التي اغلقت حدودها عليك وعليه.

في سوسيولوجيا الأوبئة، يمكن أن نقر أن واقعا اجتماعيا كواقع يتسم بانتشار الوباء، هو واقع يمكن اختصار تعريفه بالجملة التالية : كرهنا للشر، أي الوباء والمصابين ومن قد يتسبب في انتشاره، يجعلنا أشرارا. حبنا للخير قد يجعلنا نتحول لأشرار :
كرهنا للإرهاب قد يحولنا لارهابيين، كرهنا للموت قد يجعلنا نصير قتلة. وكرهنا للحياة قد يجعلنا نشيد بالموت ونحارب من يمنعنا عنها.
ولو ذهبنا للتاريخ الابستيمولوجي للنظريات الديمغرافية نجد أن الأوبئة قد تكون، بالنسبة لأتباع المنهج العقلاني البراغماتي المالتيسي، عائق مدمر لكنه نافع في ظل الانفجار الديمغرافي الذي لا يخضع لتحديد نسل.
قبل النهاية: تعريجة على فيلم العدوى Contagion :
خفاش يأكل موزة ثم يلقي نصفها فيلتهمها خنزير، يذبح هذا الأخير ويذهب إلى مطعم حيث يأخد “الشاف” الطباخ في تقطيعه لتقديم وجبة، فجأة يأتي حرفاء أجانب وللترحيب بهم يجب أن يخرج “الشاف ” لتقديم التحية. يمسح يديه بسرعة يخرج يصافح الحرية الأجنبية. هذه الحريفة تصافح من تصافح وتلمس ما تلمس وتلتقي عشيقها خارج المطعم، تعود لوطنها وتنقل العدوى من المطار إلى عائلتها إلى المستشفى إلى اللحد. ويتحرك كل من انتقل لهم الفيروس من الخنزير للخفاش للطباخ للحريفة ولمن اوصلهم قدرهم الاجتماعي للمطعم واخليها وإلى سيرورة معقدة من الاتصالات تلي كل هذا، لكي يصبح وباء عالميا.
أسباب صغيرة على مدى قصير متوسط وطويل قد تحدث أحداثا كبيرة، كبيرة جدا..
في النهاية، ما الذي حدث في تونس؟ :
                  شارع الحبيب بورقيبة ، وسط تونس ، يوم 18 مارس 2020 ، قبل الساعة السادسة مساءً بقليل ، وقت حظر التجول
                                                                    (فتحي بلعيد / وكالة الصحافة الفرنسية)
إنقاذ مواطن من الكورونا ام البقاء في السلطة في ظروف مريحة لسنوات قادمة : بالطبع الخيار،منذ أكثر من أسبوع في تونس، كان اقتصاديا لا إنسانيا.
الفئات الأكثر مراكمة للرأسمال بأنواعه: اقتصادي ثقافي اجتماعي علائقي رمزي وخاصة أكثرهم تموقعا في الحقل السياسي،(البنوك، كبار المحاسبين، كبار البورجوازية الطفيلية، اتحاد الشغل منظمة الأعراف النخب والسياسيين الخ..)
اجتمعوا وقرروا أن يبيعوا أنفسهم لشيطان الربح والحسابات على حساب هذا الشعب. اجتمع النقابي و ربيب الأعراف والتكنوقراط والسياسيون يمينا ويسارا وقرروا أن لا يصارحوا المجتمع بالحقيقة وأن لا يضحوا بما هو اقتصادي من أجل صحة المئات أو الآااف خوفا من خمس سنين عجاف، سنين حكمهم المنتظر. منظومة free rider او passager clandestin تقول للشعب : اذهب انت وربك فقاتلا اننا ها هنا قاعدون.
اتخذوا قرارهم : إنقاذ اقتصاد منقرض سريريا عوض اتخاذ موقف وسلوك عمليين لإنقاذ أنفس بشرية لا تقدر بثمن، لكنها بالنسبة لهم لا تسوى مليما. انها منظومة العار، عار سيلاحقهم أبد الدهر. انها الكارثة لو لم تحدث صدفة أو معجزة بظهور من يمنع هذا التوافق الذي قام على حساب الأبرياء. لذلك لن يعلنوا قرارات جريئة ( وهي، والتي كان وجب اتخاذها منذ أول شهر مارس، اغلاق كل الحدود جوا وبحرا وبرا، وحظر جولان تام وحجر صحي يقارب الثمانين بالمئة من السكان على الأقل) وذلك لتشخيص اناني لعجز ما، وارضاء لرغبات أرباب اقتصاد هجين شبه انقطاعي شبه رأسمالي شبه مستعمر شبه اشتراكي شبه اقتصادي أصلا، اقتصاد يضمن لمن يمسكون بزمام الأمور أن يمسكوا بتلك الزمام لأطول مدة مع التضحية بمن لا يستطيعون تهديد المسك وضماناته. ليمت الأكثر فقرا والمضطرون للعمل ولتصبح أسرة الإنعاش لابن فلان وفلان وسحقا للبقية.
سيخدعوننا باجراءات وهمية، لكن في الحقيقة لقد انتشر الوباء ولقد اتخذوا قرارهم: لننقذ شبه الدولة شبه الاقتصاد وليمت شبه الشعب.. ليذهب للجحيم التي هي حجيم حقيقية.
في الختام:
يقول محمود درويش:
أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول..
فقط عوضوا الفراشة بالكورونا..
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: