أثر الفراشة:اقتباسات من مدوّنة لينا بن مهنّي  “بنيّة تونسيّة “(2009-2020)

img

أثر الفراشة:اقتباسات من مدوّنة لينا بن مهنّي  “بنيّة تونسيّة “(2009-2020)

تقديم و اعداد : موقع أنتلجنسيا

( صدر بالعدد التجريبيّ الرابع من مجلّة أنتلجنسيا ، عدد لينا بن مهنّي : لكلّ ثورة أيقونة )

“أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ”

                                                                       -محمود درويش –

ككلّ الفراشات اللّواتي راقصن لهيب النّار  لتأتينا منها بقبس من نور لم نقف أبدا على أثر الكدمات أوأثار الاحتراق الذي مسّهن ساعة المخاطرة ببساطة لانّهنّ يحترفن التورية ، إذ تواري الفراشة عذاباتها ليظهر  منها صدق أفعالها و جمال سريرتها لا غير ليس حبّا في الجمال فــ “لينا” ليست عارضة أزياء كما صرّحت مرارا ولكنّها من الأخلاق الخاصة  للصقور على حدّ قول غسّان كنفاني فبرغم الدفع اليوميّ من خلال التعاليق المقرفة لم تستجب لينا للعمليّة الشرطيّة لتستعرض عضلاتها النضالية أو لتنشر غسيل أوجاعها بل كانت كالفراشة تماما تنثر عبيرها أينما حلّت لتزداد به جمالا و يزدان الكون بها ، و لأنّنا نروم أن نقتفي أثر الفراشة -الذي لا يرى- لنتبع خطاها كان لزاما علينا أن نولّي وجوهنا شطر  محراب حرفها- مدونة بنيّة تونسية – ، نتحسّس العذابات و نقف إجلالا أمام الكدمات و نثمّن الأفعال و النضالات ،موقع أنتلجنسيا للثقافة والفكر الحرّ حاول أن يجمّع  هذه الاقتباسات -من المدوّنة – على أمل أن يودع في القلب معنى :

 


 

نحن شعب لا يتعظّ من ماضيه و لا يحفظ دروس التاريخ و كأنّني بنا شعب قصير الذاكرة أو دعوني أقول معدوم الذاكرة. تستهوينا بعض عروض التهريج في مجلس النواب فنصفّق لأصحابها و نعتبرهم من التقدميين و من المصلحين و ننسى عبثهم و فسادهم و قمعهم و حتى عنفهم … أنا ضدّ العنف و ممارسة العنف مهما كان مأتاه و مهما كانت الجهة التي يوجّه ضدّها العنف فالعنف مرفوض في كلّ الحالات.(2020)


الأحزاب الثورية لا تفرض ايديولوجياتها بالعنف وبروابط حماية الثورة و بتزييف التاريخ و لا تحاول أن تفرض قيودها على الحريات الخاصة و العامة … الأحزاب الثورية لا تتماهى في ر قصات محمومة مع بقايا الدكتاتورية بأنواعها .  فلا الدستوري الحرّ حزب تقدّمي و لا النهضة حزب ثوريّ .فلا تنخدعوا بالتهريج و بالمسرحيات . من شبّ على شيء شاب عليه.


أيا العراق ! أنا لينا تربتي تربة الأمازيغ ونسغي من المتوسّط وما وراء المتوسّط ومن الصّحراء الإفريقيّة وما وراءها.لكنّ في سعفي وجريدي كما في جذعي وعروقي ما يشي، بل يعلم، أنّ بيني وبين نخيل الرّافدين قرابة وودّ وحنان.


” النّخل وإن مات لا يموت : هو يستردّ الحياة ويستمرّ. والثّرى يعشب وإن تهاون المطر.والماء في الأنهر يظلّ يجري حتّى والأنانية البغيضة تبتغي دحره.والإنسان لا بدّ يكافح : يبني قدره وإن عاكسته الأقدار. والمرأة أمّا وأختا وبنتا ورفيقة درب وشريكة في الوطن والبذل وإنسانية الإنسان ستظلّ خيمة المقاومة ورافعة البناء الجديد وإن عسر البقاء.” هكذا همست لي أمّ الشّهيد في الرّقاب بتونس ذات ليلة دامية. وهكذا قال لي النّهر مذ لاقيته .


شعرت بنوع من الفخر و أنا اطّلع على مكتبة السجن و أرى بعض الرفوف فارغة فيعلمني المسؤول عن الكتب أنّها جميعها عند المساجين يقرؤونها . و يطلعني على القائمات و الأرقام : 2600 كتاب هو عدد الكتب التي قرأها السجناء منذ بداية الشهر . و سعدت و الأخصائية النفسية تحدّثني عن السجين الذي تغيّرت حياته بعد قراءة كتاب لنيتشه … فسجوننا تحقّق بعضا من تقدّم و تغيير مقارنة بسجون البلدان العربية و مقارنة بما كانت عليه قبل رحيل بن علي .


حقّقنا بعض خطوات على طريق التغيير و تحرير الفكر و لكنّ الطريق مازال طويلا فلا تتحقّق الحرية والكرامة إلا بتوفيرها للجميع بدون تمييز لا في علاقة لا بالجنس و لا اللون و لا الدين و لا عرق و لا التوجهات الجنسية و الايديولوجية . عندما يتساوى الجميع أمام القانون و عندما يتمتّع الجميع دون استثناء بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية دون تمييز .


عندما ينضب وادي مشاعر النشوة والنخوة الجماعية بهذا الانتقال الديمقراطي السلمي لا تهدّدونا بهجرة هذه البلاد مترفّعين عن خدمتها لسوء الظروف , اصمدوا في مواجهة عبث الحاكمين الذين تقدّسون اليوم و عارضوهم و افرضوا أصواتكم و آرائكم .عندما ينخفض منسوب الفخر بانجازات الثورة لديكم لا تكتبوا : ماذا فعلنا بالحرية و حرية التعبير ؟

و ليتذكّر من وصلوا للحكم و من سيصلون أنّ مناصبهم هدية من شابات و شبان ضحوا بحياتهم وبصحّتهم و بأعضاء من أجسادهم فكان النكران ومزيد من التهميش جزاؤهم . فلا قائمة الشهيدات والشهداء نشرت و لا الجريحات و الجرحى عولجوا و لا المهمّشات و المهمّشين خرجوا من التهميش و النكران . و تذكّروا أنّ ما تحقّق مهمّ و لكنّه غير كاف . نعم حقّقنا الشيء القليل و مازال الكثير . و لا تنسوا أبدا أنّ الحقوق و الحريات هشّة و قد تفقد في أيّ لحظة فأعداء الثورة كثر و عشّاق حياة العبيد عديدون . تذكّروا بأنّ الانتقال الديمقراطي الذين تفاخرون به هشيم و واهن و معرّض لهجمة هذه المجموعة و تلك وعرضة للانقلابات و السرقات .


الموت لا يدعو للسّهو بل هو مدخل للتذكّر


يكفيني صباح في المستشفى كهذا الصباح لأفقد حيويّة أسبوع كامل و لأفقد القدرة على مقاومة المرض اللعين الذي يكبّلني :


طبعا لا يعنيني ما سأرثه و ما يمكن أن أحصل عليه فقد سعيت طوال حياتي إلى كسب ما أملك بمجهودي الخاص و بالعمل و لكنّني مع المساواة في الميراث فأنا أعتبر نفسي حقوقية و أعتبر أنّ جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.


S17: لا أشكّ في أنّ بلادنا تعاني من مشاكل أمنيّة كبيرة و لا أشكّ في أنّ الإرهاب يترصدّنا و يتحيّن الفرصة لتقويض أمننا و لكن لا يجب أن يكون هذا عذرا لتحطيم أحلام المئات من الشباب و قتل الأمل فيهم . هذا الإجراء الذي سلّط على العديد من المواطنات و المواطنين بطريقة اعتباطية طريق لصنع النقمة و الاحباط و اليأس و بالتالي الارهاب … نعم هو نوع من ارهاب الدولة , صار بعض الأمنيّين يتفنوّن في فرضه على من يخالفهم الرأي و لا يستجيب لأهوائهم و هو أيضا طريقة لكسب المال و تجلّ للرشوة واستفحال الفساد في تونس .


حول  ايقاف جريح الثورة مسلم قصد الله:

نعم في بلد الثورة و في بلد الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية  يجد الأبطال أنفسهم وراء القضبان لحرصهم على مواصلة الطريق و إنجاح ثورة نهشتها الوحوش و تحاول القوى الظلامية والرجعية واالانتهازية تحييدها عن مسارها بكلّ  والوسائل والطرق يتمّ إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حقّ مسلم فيمرّ الخبر وصت صمت رهيب و كأنّ الأمر حادثة عابرة و ليست بفضيحة دولة و فضيحة شعب .نعم هي فضيحة شعب انتهكت كرامته مرات و مرات و هو صامت خاضع خانع … هي فضيحة دولة تهين شعبها لا بل أبطال شعبها ناسية أنّها في خدمة هذا الشعب .


حول رحيل ميّة الجريبي :

لا أستعمل أبدا ألقابا من نوع سيّدي وسيّدتي ولكنّك أنت سيّدتي . سيّدتي هل ستفيك بعض كلمات أكتبها بأصابع مرتعشة أنهكها المرض بعضا من حقّك؟ معلّمتي نعم فأنت معلّمتي . فرغم أنّني لم أنضمّ يوما إلى حزب إلا أنّي تعلّمت منك الكثير.. حبيبتنا صديقتنا رفيقتنا جميلتنا رائعتنا صادقتنا طيبتنا ميتنا…


لست عارضة أزياء و لا تعنيني مقاييس الجمال التي يضعها خبراء الجمال و التجميل . أنا امراة عندي تاريخ أريد أن أحفظه على جسدي . أنا هي أنا .


حول قانون ” زجر الاعتداء على الأمنيين “:

ساندت العديد من الأمنيين الذين خلت أنهم تعرّضوا إلى مظالم إيمانا منّي بالإنسانية و مبدأ المساواة بين جميع البشر. و لكن انتهازية هؤلاء و جشعهم لا تعر حدودا فها أنّهم اليوم يطالبون بتمرير قانون لن يساهم في مقاومة الإرهاب .


“رجال” تراهم في حديث المؤخرات ينهمكون و عن عرض فلانة و فرج فلتانة يتحدّثون و في المقاهي يجلسون عن دروس الشرف يثرثرون وعلى صور نجمات البرنوغرافيا يحتلمون “رجال” حدّثهم عن الكتب فسيصمتون , اذكر مسرحية أو قطعة موسيقية فسيدهشون . حدّثهم عن شأن البلاد فبوجوهم سيشيحون “رجال” حدّثهم عن قضايا فسيخرسون . ادعهم إلى التحرّك فسيهربون . حدّثهم عن طعام مسكين فسيبخلون و كفالة يتيم فسيفرّون


أنا تونسية مهووسة بالحرية ديني الإنسانية هكذا كنت وهكذا سأكون . لم أنتم يوما لا إلى اليسار و لا إلى اليمين و لا إلى الوسط و لن أنتمي إلى أيّ حزب و لا مذهب سياسيّ فالسياسة تقرفني .


هناك سجين يحدّثنا عن الديمقراطية:”نعم هي ممارسة يومية يجب أن نعيشها في كل لحظة و مكان” و هنا انهمرت دموعي.


إعلام يكشف الحقائق و لا يزورها و يدافع عن الحقيقة مهما كلفه الأمور كم كنت ساذجة عندما تباكى هؤلاء و قالوا أنهم كانوا مسيرين و ليسوا بمخيرين و هانا الفرصة قد دقت أبوابهم للتكفير عن أخطاء الماضي فلم يبتعدوا قيد أنملة عن الممارسات السابقة …


التعذيب يا سادتي الكرام وجد و يوجد و سيوجد مادامت الأغلبية متواطئة وتقبل بوجوده فحتى الصمت تواطؤ. التعذيب يا سادتي الكرام حسب المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أواللاإنسانية أوالمهينة هو : أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ،جسديا كان أم عقليا،يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص،أو من شخص ثالث،على معلومات أو على اعتراف ،أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه ،هو أو شخص ثالث أوتخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز ايا كان نوعه،أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.


لا تدعيه يلمس شعرة من شعراتك …لا تستمعي إلى توّسلاته و هو يعتذر بعد أن يهينك أو يعتدي عليك , لا تتأثري بدموعه و لا تضعفي أمام اعتذاراته . من يحبّك لا يهينك لا ماديا و لا معنويا .طالبي بحقك قانونيا .


تجد المرأة نفسها في كلّ مرّة محل التهام حتى و إن كانت ضحية الجريمة و هنا تجيء الى ذهني مئات الحالات التي تخيّر فيها المرأة الصمت على اعتداءات جسدية و جنسية تطالها خوفا من ردّة فعل مجتمع بقي و يبقى ذكوريا حتى و إن حاول الجميع نفي ذلك ووصفه بالمجتمع المنفتح و المثقّف مقارنة بمجتمعات عربية أخرى و هكذا تبقى المرأة المتضرّر الأكبر من ممارسات يعتبرها البعض عادية لصون شرف عائلة فكيف ستعالج المشكلة و الجميع يطلب منها الصمت و كأنها المخطئة ؟و كيف ستستردّ حقّها و أول أشخاص مسؤولون عن الاستماع لأقوالها وأتحدث هنا عن الضابطة العدلية هم أول من يسعون إلى أثنائها عن أتباع المذنبين في حقها بدعوى الحفاظ على شرف عائلتها ؟


ترتوي الأرض من غيث نافع و تعبق من الأرض رائحة دماء الشهداء مذكّرة إيانا بواجب تناسيناه و أشحنا عنه بوجوهنا و ألهتنا عنه مشاغل الحياة … تعبق الرائحة فتزكم أنوف بعض من خانهم الضمير و ترشق قلوب آخرين بسهام الذنب و يعتقد آخرون أنّها بمرور الأيام و بفضل نعمة النسيان زائلة و لكن هيهات رائحة دماء الشهداء ستظلّ عابقة و بجبننا وخضوعنا وهواننا ستظلّ صادحة .


عاركم بين فخذي نسائكم …عاركم ارتبط بقطعة قماش قصرت أو طالت … و العار بالنسبة لي في جهلكم … في ابتعادكم عن القراءة و الفنّ و الثقافة والتفكير … العار في صمتنا عمّا نعيش من استغلال وظلم و استبداد و تخلّف … عارنا في صمتنا أمام بلاد اغتصبت من الوراء و الأمام … من قبل المتسترين بالدين المتاجرين بالقيم و البلاد والعباد .


مساندة الأمنيين زمن الأزمات لا يعني السكوت على تجاوزاتهم و لا السماح لهم بالتغوّل باسم حماية الشعب و الوطن من خطر الإرهاب المحدق بنا .


احتفلوا و امرحوا و عانقوا الأزرق بعد أن عانقتم  البنفسجي . صفّقوا و لا تكثروا حتى لا تغطّي البالونات أياديكم  افرحوا باغتصاب وطنكم وباستعمار جديد  و لكن تذكّروا أنّ التاريخ لم يرحم ولن يرحم .


يا هواة العنف و الشقاق و النفاق لا انتم بشرعيين ولا انتم لنا بممثّلين و رغم أنفكم سيبقى الاتحاد أقوى المنظمات في البلاد و عاش الاتحاد شامخا أبيا رغم كيد الكائدين!


حقوق الإنسان كلمة صارت تضحكني في ظلّ ما نعيشه اليوم من اعتداءات على  الإنسان و ما أراه من عنف يمارس تجاهه

 


أيّها الأحرار يعصر الألم قلبي و أنا أرى حالة المبالاة التي صرنا عليها, حلمتم تحلمون و ستحلمون بوضع نصل الصدق الجارح على رقابهم فكبّلوكم و لكن برهنتم على صمودكم وقوّتكم وإيمانكم بمبادئكم. دمتم أحرارا و كلّ عام و أنتم صامدون!

(2009)

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: