أبي، هل توجد بأرضكم موسيقى؟

img

أبي، هل توجد بأرضكم موسيقى؟

أماني أحمد بن رڤـيڤـة – أستاذة أدب انقليزي

أهلا أبي.. كيف حالك؟
أنا آسفةٌ جِدًّا لأنّني لم أكتُب لكَ منذُ زمنٍ طويل..
هُناكَ حيثُ أنتَ، تبدُو الأبديّةُ طويلةً..
وهنَا حيثُ لازلتُ منذُ رحلتَ، تمرُّ الدقائقُ طِوالاً أيضًا ..
لا جديدَ يُذكرُ سِوى بعض الإنتصارات الخجولة والكثيرِ من الخيباتِ العديدة..
ربّما أنا أكتبُ إليكَ بسبب خِذلانٍ آخر ..

أبي..
هل البردُ مؤلمٌ هنالكَ أيضًا كما هنا؟
هل يكذِبُ المُحبّون هناك؟
هل تُشرِقُ الشّمسُ عندكم صباحًا ويبكي الأطفالُ كما في بلادِنا؟
هل تجوبون الشوارع وتجلسون على الرّصيف إذا تعِبتم؟
هل تشتاقون وتعشقون وتكرهون وترحلون؟
هل النّساءُ جميلاتٌ كأُمّي وصوتِ أمّي ؟
هل تنخزُ أجسادكم رائحةُ الحنين والخبز ليلاً؟
هل تنامونَ كما ننام -على مضضٍ- وحزنًا ؟
هل تحلمون إذا نمتم أن تعودوا؟ أو أنّ الأرضَ هناك أخضرُ وأفضل؟

أبي..
هل جدّتي بخير؟ هل مازال يُقلقها أن لا نعود ولا نجيء ؟
أظنُّ أنّها أفضلُ حالا هناك..
اه، نسيتُ..
أُمّي ليست بخير.. هي تُفكّرُ كثيرا وتنامُ كثيراً وتنسى كثيرا..
هي دائمًا تُحدّقُ في الفراغ ..
وتُنادِيك فلا تُجيب..

أبي.. لا قلب لي منذُ الرّحيل..
فقصصتُ شعري..
ولبستُ لونًا باهِتًا..
عادَ الشّتاءُ ولم تعُد وأظنُّ أنّكَ لن تعود ..
فكيفَ يعودُ الرّاحلون من هناك؟؟
يقولونَ بأنّها أرضٌ بعيدةٌ إسمُها النّسيان..

ويقولونَ أيضًا أنَّ الشّتاءَ أبردُ وأقسَى..

أبي لقد حكتُ لكَ قميصًا من أحاديثي وأُغنياتي ، فهلّا أتيتَ صُدفةً أو فِكرةً؟ أو بعضَ حلم تطعنُنِي تفاصيلُهُ إذا استفقت؟

أبي.. كسرتُ قلبي باختياري حتّى لا يبقَى فيه مُتّسعٌ للخيانات الجديدة ..

أبي.. لقد ذبُلت كلُّ الأُغنيات وفقدتُ صوتي ولم يبقَ لي سوى لحنٍ يتيم أُدندنهُ إذا ما ارتجفتُ وحدةّ أو فرحًا لا يجيء..
ثقُل قلبي ..

أبي.. هل توجدُ بأرضكم موسيقى؟ ..
ثقُلَ جسمي .. فأرتجِف..
هل أنتَ وحيدٌ -مثلي- أم يؤنِسُكَ الغياب والرحيل.. وصوتُ أمّي إذ تُنادي..

هي تعرفُ جيٌدًا أنّ الحُزن أكل قلبي وأنّ مُعظم ابتساماتي كاذبة ولا تُصدّقُني إذ ضحكتُ.. أمّي تعرفُ أنني لستُ بخير .. وأنّ يديّ ترتعشان كثيرا مؤخّرا..
هي مثلي تؤرقُها التفاصيل الكثيرة ولا تقول..

أُمّي لا تُحضرُ لي الماء حين أهذي .. فهي تُصدّق أنّ الحمّى قد تغسلُ بعض الخطايا حتّى وإن كانت كثيرة..
حسنًا .. خطايايا كثيرة..
أوّلها أنّني أُحِبُّ بقلب مفتوح قد ثُقب..
ثاني الخطايا .. أنّني لا أنسى حتّى وإن حاولتُ.. فأسدُّ كلّ فتحات الذاكرة حتّى لا تطير الصّور وتصلَ هناك حيثُ أنت..
ثالثُهَا .. أرقٌ مقيتٌ لا يُشفى.. فأنا يا أبي كما تعرفُ لا أنامُ حين أتعب.. لا أنامُ حين أبكي .. ولا أنامُ حين أفرح..
رابِعُها.. حُبٌّ أنيقٌ كما ظننتُ ..
لم يكن حبًّا إذن ..

أمّا الخطيئةُ الخامسة .. أنّني أُحسُّ كثيرا.. أُحبُّ كثيرا وأغنّي بملءِ صوتي .. أنّني أكرهُ الحضور الباهت والفرص الثانية .. فتهربُ منّي الأُغنياتُ ولا تعود .

أبي.. هل تُنقيني الحُمّى من الخطايا كما تقول أمّي فقد شارف قلبي على الإحتراق..

أبي.. مللتُ تعداد الخطايا التي لا تنتهي..
و مللتُ اقتراف الخطايا ..
ثقُل قلبي .. ولن تعود ..

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: