أبواب وأسوار- فراس ميهوب

img

أبواب وأسوار

بقلم: فراس ميهوب

 

في حواضرنا العربية، يحيط بالحكام والمسؤولين على اختلاف درجاتهم حجَّاب، ولهؤلاء دور خطير، يقومون به بدعم  خفي من أسيادهم، في منع المظلومين من الاقتراب.

لا يصل إلى المناصب إلا أصحاب الثروة والقوة، فتدور منافع السلطة بينهم، أمَّا الفقير فلا يصيبه منها إلا الضرر.

يجبر المساكين على الدفع من كرامتهم، أو أموالهم ليحصلِّوا حقوقهم المستباحة، أو يردَّوا عنهم شيئا من العسف.

تبنى حول الحكام أسوار لها أبواب صلبة، وعليها أزلام، أشداء على المقهورين، فيطالب المواطن بالجزية، ليصبح “ذميا” حقيقيا على أرضه.

يقوم الحاجب أحيانا بعمليات قذرة، لا يريد المتنفذ أن ينسبها لنفسه، ويقبض ثمنها سحتا وجاها.

عندما تهدم الأسوار لسبب أو آخر، يسارع حراسها إلى تغيير جلودهم، ومن يتأخر تدوسه السنابك الهائجة، ويسقط في منتصف الطريق إلى المستنقع.

كان بسَّام حارسا لمعبر هام، سأروي لكم قصته…

هل استطاع القفز إلى ظهر حمار آخر، قبل النهاية بقليل؟

لم يكن طالبا سيئا، فقد نجح بالثانوية العامة بتفوق، نال العلامة الكاملة في مادة التربية القومية الاشتراكية.

قبل أن ينهي دراسته الجامعية، وجد فرصة عمل في بلدية العاصمة، فاقتنصها، وعين مبدئيا في قسم الأرشيف.

صعد بالباص من موقف الجامعة، قصد مبنى البلدية.

لفتت الأبنية الجميلة نظره رغم بساطتها، كلها على نسق واحد، الشوارع نقية، الأرصفة مبلَّطة، والأشجار خضراء، متساوية الارتفاع، ترقد طيور اليمام فوق أغصانها بدعة.

دخل إلى مقر البلدية، بناء بسيط من طابقين اثنين، ولكنَّه نظيف، ويشبه باقي مباني المدينة.

كان بسَّام شابا نحيل القامة، سليم الجسم، قامته تميل للطول، شعر رأسه أملس، لحيته خفيفة، و له شاربان سميكان.

تغطي عينيه نظارات طبية غامقة، تستندان إلى أنف طويل نسبيا.

يلبس غالبا ثيابا رمادية، ويضع في بنصره الأيسر خاتما فضيا.

تخرَّج من الجامعة، عيَّنه رئيس البلدية مديرا لمكتبه، قفز على عجل إلى الكرسيِّ الشاغر.

في بدء عمله، نظم المواعيد دون تمييز، لكنه لاحظ سريعا، أن مديره يتبرم من الفقراء، وصغار الكسبة، والمثقفين غير الثوريين، ولا يأنس إلا بزيارات السيدات الحسان، ورجال المال، والأعمال، وأصحاب المكانة العالية في المجتمع.

أتقن اللعبة، و جوَّد أداءه يوما بعد يوم، فانساب مرور المرغوبين، وإن فسدوا، وتعطل عبور أصحاب الحقوق.

استراح له النافذون، وأتقن فك شيفرتهم، يباشر معاملاتهم بنفسه، فنزلت عليه الهدايا كالمطر على أرض مقفرة، أموالا وذهبا وسيارات.

كان يهزأ من المتظلِّمين:

– السيد رئيس البلدية مشغول بقضايا الشعب الكبرى، ولا وقت لديه لمشكلة صغيرة، يستطيع أيُّ موظف حلَّها.

توقف العامة عن طرق الباب الموصد، إلا من حمل توصية من فلان، أو دعما من علان.

أدار الأمر برمته لمصلحته، ولم ينس حصة معلمه من الغنائم، فأصبح رجل الظل.

تدنت الخدمات في المدينة، من جيدة إلى سيئة، فأسوأ ما يمكن.

تمدَّد  مبنى البلدية، صار طوابق عدة، و غطَّت واجهته نوافذ زجاجية سود.

بعد مرور سنوات، أقيل رئيس البلدية، ولكن بسَّاما بقي في منصبه.

احتل كنصب تذكاري  قلب  المقر الشاهق، رمق المراجعين باشمئزاز، كنظرات أبو الهول إلى سيَّاح غير مرغوبين.

وصل إلى ذروة صعوده، وضع قدمه باتجاه معبر آخر.

جاء البديل، حاول التملق له دون جدوى.

استقر الحاكم الجديد على مكتبه، استدعى بسَّاما، قال له:

– يعطيك العافية، ولكن وقت التغيير قد حان، قررت نقلك، وستصبح رئيسا لقسم الأرشيف.

رجا بسَّام رئيسه دون جدوى، استسلم مؤقتا، جمع أغراضه من المكتب، الذي اختلط بأنفاسه سنوات طويلة، و رحل كدكتاتور صغير.

شغل ركنا مهملا، حاصرته الملفات المتناثرة، هوى من الصدر، إلى ما يشبه القبر، فأصيب باكتئاب حاد.

أمضى نقاهته في بيته، قفل إلى الأرشيف مقهورا، قرر استعطاف رئيسه مجددا.

عاد إلى المكان الذي ألفه لسنوات، وجد فيه رجلا ضخم الجثة، كان دائم الابتسام، عرَّفه بنفسه، فتجهَّم:

– قدَّم طلبك إلى الديوان، وسيصل عبر التسلسل المعتاد، ألا تعرف القوانين؟!

السيد رئيس البلدية مشغول بمشاريع كبرى، ولا وقت لديه لمشكلة تافهة، وموظف لا يرغب بالعمل.

أيقن بسَّام انقطاع السبل أمامه، استدار، هام على وجهه، قادته قدماه إلى الشارع المحفَّر، انغمستا في الوحل.

طفرت من خطاه قطتان، كانتا تنبشان في كيس قمامة ممزق، و ملقى أمام البلدية.

خلع نظارتيه، غمَّه مظهر مُنفِّر لآلاف البيوت العشوائية، تخدش عين الرائي.

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: