أبعد من مسافة /أكثر من وطن-  نجوى الرّوح الهمّامي

img

أبعد من مسافة /أكثر من وطن

 

                                                                  نجوى الرّوح الهمّامي

 

 

(أتعرفين ما هو الوطن يا صفيّة، الوطن أن لا يحدث ذلك كله)

 غسان كنفاني

 

لم يصب قلمي الخرس مثلما أصابه هذه المرة، ولم أقف من قبل لأيام أصارع عجزَ فكري على التّصالح مع اللّغة مثلما هو حاصل عندما أضحى الوطن مدار الكتابة.

يبدو تعريف «الوطن» بديهيا حدّ السذاجة، إنه مكان الإقامة سواء وُلدَ به الإنسان أم لم يولد. هكذا تقدّمه المعاجم.. لكنه في الواقع أعمق من ذلك وأصعب على التعريف..

الوطن فكرة يصعب تمثّلها، لأنها أقرب إلى الشّعور.. بل هي فكرة مُتلبسة بمشاعر مختلطة يطغى عليها التملك مقابل إقصاء الآخر الذي لا يعتبر وليدا لرقعة من الأرض تاريخيا.

كيف تحوّلت الأوطان من عمق يحيا داخلنا إلى كلمات تردّد في نشيد «وطني» وأعلام تدلّ عليها؟ وهل يكفي اختزال الوطن بتلك الطريقة لغرسه في القلوب؟

الوطن مشروط بالولاء، فهو ليس ما نفرّ منه، بل هو ما نفرّ إليه.

بفرارنا منه يكفّ عن كونه وطنا.. بيد أنه إذا كنّا مُرغمين تعمق شعورنا به وحلوله فينا وحنينا إليه – والذي قد يصل حدّ المرض – هو حنين إلى وطن سماوي يُدعى الجنّة.. لذلك يبقى جحيم الوطن جنّة لدى من يدينون له بالولاء.

الوطن ما لا يرفضك ولا يلفظك، ولا ترفضه. فإن رفضته كفّ عن كونه وطنا.

الوطن فكرة وشعور قبل أن يكون مكانا يحتاج طرفين للتحقق. عليك الإيمان به وإن كان على حافة الهاوية أو انتُزِع ولم يبق منه سوى صور خياليّة وبعض حنين.

إنّ العلاقة بالوطن علاقة غير براغماتية، فهذا الذي يمنحك أرضه وماضيه وحاضره وآتيه، عليك أن تمنحه كلّ شيء وأبسط تلك الأشياء عدم الانبتات عنه. إليه يُنسب الشّخص، وإن أنكر نسبته إليه جُرّد من الاحترام، لأنه لا جحود يعادل نكران الوطن. يرتقي الوطن إلى المقدّس والمنتمي إليه إلى مجاهد، ويرتبط حُبّه بالإيمان..

والموت دونه شهادة… الأوطان لا تموت..

غير أنه في زمن المتاجرة بالأوطان وإصابة الكرة الأرضية بلوثة السياسة والدّمار، كفّ الوطن عن كونه مقدّسا لدى البعض وازداد قداسة لدى البعض الآخر ليصبح أداة نفعية. لقد تحوّل الوطن إلى مجرد شعارات تُرفع وأُفرغ من محتواه، وأضحت الأوطان عملة من بين العملا ت في بورصات السياسة… أضحت الأوطان محلّ نقاش وبيع لمن يدفع وهي التي كانت في وقت ما خطّا أحمر ورمزا مقدسا.

لكنّ الشرخ يبقى قائما بين تصور رومانسي للوطن فكرةً وبين الواقع وطنًا ماديًّا. هذا التصور الرومانسي يتعمق في حالة ادعاء المرء انتماءَه إلى أكثر من وطن، وطنٍ ولد فيه ونشأ ودرس ويدين له بالكثير ووطن عاش فيه..

يقول عبد الرحمن منيف: «أصعب الأشياء أن يكون للإنسان مكانان».

يبدو الأمر للوهلة الأولى جميلا، مغرقا في الرفاهية فبدل الوطن لديك وطنان.

فكلّما مللت من الأوّل ذهبت إلى الثّاني، وكلّما أخذك الحنين إلى أحدهما، اشتقت إلى الآخر؛ لكنّك في الواقع لست هنا ولست هناك أنت المُوزَّع بين وطنين أحدُهما يعترف بك لكنّك تصبح غريبا عنه، والثّاني لن يمنحك اعترافه وقد تعلّقت به تعلّق عاشق بمعشوق، أنت تُحبّهما كليهما، لكنّ الأوطان غيورة فالولاء لأحدهما خيانة للثاني هكذا تُقارَب المسألة وجدانيا..

ونبقى حاملين لروح «أوليس» بين جوانحنا، نحلم بـ«إيثاكا» الوطن الأمّ والذي نُحاول تحقيقه باختراع أوطان بديلة، فتُصبح اللغة وطنا والقراءة وطنا والكتابة وطنا وحالة العشق وطنا، ونصبح مواطنين أحرارا لسنا في حاجة إلى وثائق تُعلن انتماءنا، نرحل من وطن إلى آخر في انتظار العودة أو الانغراس، على أمل أن تقبل التّربة الجديدة جذورنا…

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً