آيه الناوي؛ أرحام تدفع وبحر يبلع

img
قصّة 0 Slim oussama
راح يبيع مصوغ امه ذاك المصوغ الذي لم يتبقى منه سوى خاتم يحمل ذكريات زواج والديه و ألم مخاض أول صغير و أول خطوة خطاها متشبثا بالاصبع الذي يحمل ذاك الخاتم. و سوار أصبح لونه باهتا كوجه أمه، فكلما تكبر يكبر معها في السن بتجاعيدها و الأسود تحت عينيها و الوشم أسفل ذقنها .. لم تبخل الأم على ابنها و رغم قداسة هاتين القطعتين بالنسبة لها إلا انه لا شىء يضاهي فرح ابنها. تدرك الأم ان ابنها سيركب البحر و سيغادر بطريقة غير شرعية و رغم رفضها المتواصل إلا أنها لم تتمكن من إقناعه بالعدول عن رأيه و أمام تهديده بالانتحار رضخت للأمر الواقع و أعطته “الثروة” التي تملك عله يتمكن من جمع المبلغ المتبقي الذي سيمكنه من الوصول إلي أرض الأحلام ؛ لامبيدوزا.. روما.. ايطاليا.. اوروبا هذه الكلمات التي أصبحت حلم كل شاب تونسي و حتى إفريقي. يدرك الحرّاق جيدا بأن الحرقة هي عملية انتحار، لكن النسبة المئوية للنجاة و تحقيق أحلامه في أوروبا تجعله يندفع لمثل هذه المغامرة و أمام طمأنة “الرايس” و تاكده من سلامة “الشقف ” يجد نفسه في عرض البحر ..لم يودع أمه و لا أي فرد من أفراد عائلته لأنه يكره الوداع، و لا يريد أن يزيد شقائهم لكنه ترك رسالة لأمه بحوزة أحد اصدقائه يخبرها أنه بخير و أنه يحبها و سيفعل ما بوسعه لينهض بمستوى عائلته. تتشابه هذه الرسالة بين حرّاق و اخر فالامل واحد و الرحلة واحدة و الحلم واحد. لم تستطع الدولة و حكوماتها و كل ذي سلطة فيها أن يمنح هؤلاء الشباب أملا بعيش كريم في وطن بخيل. وطن لم يمنحهم سوى الحزن و الألم و البطالة، وطن جعلهم لا يخافون الموت بل يركبونه، وطن حرمهم من عائلاتهم و حرم عائلاتهم منهم، وطن جعل الأم تضحي بابنها و تقبل عزائه فور خروجه إلى  عرض البحر. ايستحق وطن مثله  ان يبقى فيه، و كانما هو مبغى تغتصب فيه القاصرات و تتعرضن لأشد انواع العنف، او زنزانة يحبس فيها ظلما و عدوانا بدون وجه حق.. عندما صعد على متن “الشقف” صدم  بتواجد نساء حوامل و اطفال، شيبا و شبابا قدموا من كل انحاء البلاد يجمعهم حلم واحد.. الهذا الحد اصبح العيش في هذه الرقعة الترابية مستحيل!، أرحام تدفع و بحر يبلع ؛ هذه هي المقولة الأنسب للمشهد الدرامي على متن  “الشقف ” ..انطلقت الرحلة، رحلة المجهول، رحلة الموت، رحلة الشقاء، و ماكاد القارب يشق خطواته الاولى حتى صار لا يتحمل ثقل أحلام و آمال راكبيه و سمح للماء بالتسلل في كل ثقب منه. اختلط الصياح و العويل و النديب و كأنما هو إنذار بقدوم كارثة كبرى. لم ينجو من ذلك القارب سوى من كان مقدّر لرحلته في الشقاء أن تتواصل. هي نهاية متوقعة لكل قارب ينطلق من هذا الوطن المعروض كنجمة صبح في السوق مثلما قال مظفر النواب. هذه  التراجيديا لا يمكن ان نجدها إلا في نهاية مسرحية من مسرحيات شكسبير أين يلفظ البطل آخر انفاسه في الوهلة الأخيرة  … سلام على تلك الأم التي ابتلع البحر حلمها و حلم ابنها ..
Facebook Comments

الكاتب Slim oussama

Slim oussama

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.