يامنة- عبدو بالحاج

img
قصّة 0 admin الوسوم:,
Share Button
أعود إلى عالم الكتابة بعد أن لم يبق لي أحد في هذا العالم تقريبا . أمي أيضا غاضبة .
للأمانة كان صرير باب غرفتها و أنا أفتحه آخر مرة حزينا و غامضا .
 
أصدقائي أيضا ليسوا هنا . بعضهم نائم . بعضهم في العمل . بعضهم منشغل في الحب و الضحكات الشبقية الزوجية الليلية و بعضهم أخذ ولده للحلاق .
 
أعود إلى الكتابة مثلما يعود محارب إلى قريته من جبهة مشتعلة . أعود ملوثا بشوق مشاغلة اللغة و التعثر فيها مثل جندي ينفض عن ركبة غبار المعارك و ركبة تركها هنالك في أتون الموت .
 
أول أمس سألني رجل غريب في البار :
– من أنت بالله ؟؟
أجبته بكل ثقة :
– حيدر حيدر صاحب كتاب الزمن الموحش .
من غبائه صدقني و قال :
– تشرفنا صديقي .
 
الليل في هذه القرية طويل جدا . حفلات الأعراس إشتعلت في كل مكان .
هنا ، علي أن أعيش كما يحبون لي أن أعيش تماما . هنا زمن فظيع من المحن و الذكريات و الفراغات المجنونة .
هنا كي أعيش يجب أن أكون أنانيا .
هنا الآخر هو – تقريبا – الجحيم . جحيمي أنا في الحقيقة .
حتى مدن الفساد البرجوازي ضيعت طريقي إليها و بقيت وحيدا .
 
أبي أيضا كان يقول لي في سني الطفولة :
– إذا عدت متأخرا ، سأعلقك !!
في الحقيقة أيضا ، رحل أبي ذات مساء و تركني معلقا بين السماء و الأرض .
 
إشتغلت بعده مدرسا كسولا . إشتريت سيارة بقرض بنكي . كلما ضغطت على دواسة بنزينها تذكرت كم مشيت مثل الكلب حافيا .
 
أطبخ عجة البيض بشكل مبهر . أعشق روايات البؤس و الوسخ . شغلني قلم الروائي محمد شكري – عاشق حواري طنجة و مقهى السوق الكبير – طويلا . حاولت بعد ذلك تجاوزه بحنا مينة خاصة بعد أن قرأت ( وصيته ) الكافرة .
 
أنا من رائحة أبي ذر و عمار بن ياسر . أنا أيضا من أكفال القديس أوغسطينوس و الجد إبن خلدون . الملحد الطبيب إبن سينا كان يبالغ في السكر و كنت مرعوبا من شال الشهيد شهدي عطية و هو يشتم القومية البرجوازية الصغيرة .
 
في القرية كلاب برية كثيرة . إنها تعوي في كل مكان . كم من ليالي الصبا هرت خلف قدمي المتورمتين بشوق الثورة و رشق سيارات بوليس النظام . يقول الشاعر مظفر النواب عنها :
– ضحكت منها و مني … هي يقتلها سعارها و أنا يغتالني فرحي !!
 
أبي قبل أن يتركني معلقا من الخوف و العادات و التقاليد كان عاملا في محجر . كان فنانا رهيبا . يقلع الحجارة الضخمة و يطلق من بين شفتيه صفيرا من الحزن الشديد .
 
قصيدة الشاعر عبد الرحمان الأبنودي تحمل إسم أمي العجوز ( يامنة ) . قصيدة شعبية مرهقة .
 
ليت الله خلق على حد عبارة صديقي الشاعر سفيان رجب مزيدا من الرجال الذين يبرعون في تقشير البطيخ لأنتمي إليهم و أرتاح أخيرا .
 
هرعت إلى الباب مسرعا كأنني طفل بعد . لم يكن هنالك أحد . كان هري السمين مرة أخرى و كان الطقس داعشيا رهيبا . رياح الشهيلي تنفث سمومها في كل مكان .
آه لو كان عندي مزيدا من البطيخ البارد !!!
 
عدت إلى عالم الكتابة بكل نقاوته و كل رذائله لأقتل مزيدا من الأصدقاء و الأحباب و الرفاق و مزيدا من أشجار الصنوبر و البندق العالية .
 
أنا وحيد جدا ، تماما مثل رأس زرافة بعيد بينما أمي هناك غاضبة و تعض شفتيها من الغيظ .
 
– خليك هناك يا أمي .. سيمر الوقت و سترمين كل خساراتك وراء إنحناءة ظهرك الموجعة .
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً