مكعّبُ الثّلج-عبير قاسمي

img
Share Button
مكعّبُ الثّلج-عبير قاسمي
مكعّبُ الثّلج،ِ بعد أن كان لاسِعًا صلبًـا في الفراغِ الواقعِ بين سبابتهِ و وُسطاه ، تَرَاخَى، فَتر، لانَ، هَدَأ. تراجعَ عن وُجودهِ الماديّ في مشهديّـةِ الخيالِ الدنيء تلك، سالَ بِبُطىء، في طوافٍ حول حِلمتـها الكرزّية المُنـتصبةِ، إلى موتهِ، أو إلى الحياة، لا يهمّ، كِـلاهما مجـاز إعتمدهُ جورج باتاي يومـًا في حديـثه عن الجِنس.
 
هذا كُـلّ ماتمكّـن من تذكرّه عن ذلك الفجر. و كأنّ عقلهُ قد أطرد كلّ التفاصيـل الأخرى و أبقى على ذلك الحدثِ اليتيم معلقّا يُعاد إلى مالانهاية في مؤخرّة عقله خلال رُوتيـن يومـه.
لم يرهـا مُنذ أسبوع. كـان يتفاداهـا غاضبًا، رغم أنّها لم تفعل مايدعُوه لتجنّبها. كان غاضبًا لأنّه لم يتمكن من إستعادة تفاصيلِ أوّل مضاجعة كاملةٍ لهما، حدث مهمّ كهذا في مسارِ علاقتهمـا يُـترك كفجوةِ زمنٍ تمرّ الأيّامُ حول فراغـِها و مامن ذكرى عنها سوى مُكّـعب الثلجِ و حديثِ سُـكرٍ عن باتـاي.
 
السّاعةُ الرّابعة عصرًا، مساء جُمعةٍ، بعد ثلاثة أسابيع من الحادثة ، جالِسـا على أريكته الزّرقاء.
 
كان قد أقنع نفسهُ أنّهُ لم يُبدِي أيّة أعراض لفقدان الذاكرة المؤقّـت ، لذا فمِن الأرجح أن يكون مزيجُ الكونيـاك و السكوتش الإسكتلنديّ عِلّـةَ الأمر.
 
في تلك السّـاعة تحديدا، بدأ كلّ شيء بالرجوع دفعة واحدة في دفق متسارعٍ و إنتابتهُ فورةُ حرّ أحسّ معها بوخزاتٍ طفيفة مُتفرّقة، إستعاد بعدها كلّ تفصيلٍ هامشيّ و كُلّ إنتفاضة كُبرى.
صدحت في عقلهِ أصواتهمـا واضحة عالية. رائحةُ فرجهـا ، ملمسه ، مذاقه ، إنزلاقُ لسانها أدنى رقبته، إنحناءُها البـهيّ بمواجهة الجدار، الكلماتُ البذيئة التي طلبت منـهُ أن يقولها ، طريقة إرجاعهـا شعرها إلى الخلف و إهتزازُ ثدييـها
 
كان كُـلّ شيء ناصعًـا، حيّا.
 
هكذا ، فجأة و دون أيّ تحفيز صار بإمكانه التذكّـر مجددّا.
 
مرّ بكلّ تفصيـل بعناية و راجعه عشرات المرات مُداعـبًا أيره ، حاصر كُلّ شهقة و نفسٍ و خدشٍ و رائحة و طعمٍ خشية أن تُفلت الذّكرى منه مجددّا و تعود لعدمها.
إستمنـى بلا مجهـود يذكـر، لأوّل مرة منذ أسابيع.
 
أحسّ براحـة مُدهشة، عادت الأمور إلى طبيعتهـا، شعر بإرتخاءٍ غريب و رغبةٍ في الحديث ، الحديث بلا إنقطاع ، الحديث معها تفسيرًا و إعتذارًا لعشرين يومٍ من الإختفــاء.
 
قررّ أن يؤجل الإستحمام ، و مدّ يده إلى منديـلٍ ورقيّ و همّ بالبحث عن مفاتيحه، للذهاب إلى بيتها في الحـال ، و في تلـك اللّحظة تذكّـر ؛
 
تلك اللّيلة كانت باردة قليلًا، لكّنهمـا مع ذلك أعدّا فناجين قهوةٍ وسهـِرَا في شرفةِ شقتهّا الصغيرة و لم يتناولا أيّ نوعٍ من الكحول. وضعـا غطاء السرير على أكتافهمـا و ظلاّ يتحدّثـان لساعات عن مواضيع كثيرة، جورج باتـاي لم يكن ضمنها.
 
عند الفجـر، إقتربت واضـعة يدهـا أعلـى فخذه و قبلتّـه ، و همست بغُـنجٍ ؛
أريــدك.
تذكّـر أنه في هذهِ القصـّة ..
لا وجــود لمكعّـب ثلجٍ على الإطلاق.
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً