عيادة مسائية قصّة قصيرة أصلان بن حمودة

img
Share Button
عيادة مسائية قصّة قصيرة أصلان بن حمودة 
عدت مساء اليوم منهكا من عيادة الطبيب . ذهبت إليه لأنني أحس بثقل غير عادي هذه الأيام . طلب مني إجراء بعض التحاليل و الصور المقطعية بالصدى . نفدت ما طلبه مني و توجهت إليه مباشرة بعيد إنتهائي منهم . استأذنت لي الممرضة الجميلة بالدخول .
دلفت إلى مكتبه متهالك القوى ، سمح لي بالجلوس بسرعة لأنه على علم بحالتي التي لست أعلم سببها . بش في وجهي ضاحكا و هو يتحدث عن غلاء المعيشة و التجاذبات السياسية في وطننا العربي . أثناء حديثه إلي كان يسترق النظر إلى فحوصاتي من تحت نظارته الطبية المذهبة . أحسست أنه يريد تمرير أمر ما يؤرقه . كان ينتقل من موضوع إلى آخر دون روابط مباشرة بينها . بدا إرتباكه واضحا و جليا . أردت أن أسهل عليه الأمر . قاطعته بحزم :
– دكتور ، ما هي نتيجة التحاليل و الصور المقطعية ؟
– أها ، ماذا قلت … ، الصور ، التحاليل . لا لا شيء مهم ، أقصد لا شيء سيئ .
– كيف ، وضح لي تحديدا ؟
إعتدل في جلسته و سوى نظارته . صمت لبرهة ثم أخذ نفسا عميقا و بدأ يتحدث كما يتحدث إمام المسجد في خطبة الجمعة .
– أعلم أنك مازالت صغير السن ّ ، و هذا وارد الحدوث دائما ..، فنلقل هو قضاء اللّه و قدره. بإمكاننا معالجة الأمر ، هو تحت السيطرة .
و تواصل صوته رصينا مسترسلا في حديثه . أحسست لوهلة أني في حضرة طبيب نفساني مهمته الإحاطة بالمرضى في حالتهم الصحية الصعبة أو الحرجة . غام المكان قليلا . تهت بخيالي بعيدا عنه و تضاءل صوته تدرجيا لدرجة ما كنت لا أسمع أثناءها سوى صوت تنفسي و دقات قلبي .ترى ما الذي يخبئه هذا الطبيب في نتائج فحوصاتي.
قطع علينا حديثنا إتصال ورده على هاتفه المحمول فحول وضعه إلى الصامت . بادرته قائلا :
– من فضلك ، لخص لي الأمر و بسرعة.
– بنيّ ، أنت تحمل حجرا في إحدى كليتيك ، اليسرى تحديدا .
جحظت عيناي للحظة ثم انخرطت في نوبة ضحك هستيري متواصل ، من شدته بادرني بكوب ماء محاولا تهدئتي . دفعته بعيدا بعنف . و نظرت إليه بحدة :
– هذا كل ما في الأمر ؟
أجابني :
– نعم . ننتظر صورة مقطعية لكليتك اليسرى كي نحدد حجمه و نرى ما بإمكاننا فعله ، و هل تتطلب الحالة إجراء عملية جراحية أم لا ، قد نكتفي ببعض الأدوية التي تتحكم في النسق الذي يتطور به حجمه . لا تقلق سنحاول إسقاطه .
سكت لبرهة ثم سألني بغرابة بادية على ملامح وجهه :
– ما المضحك في الأمر ، ما الذي جعلك تضحك هكذا ؟
– ههههههههههه ههههههههههه ههههههههههه ، لا شيء .
بدا حانقا محتقن الوجه لدرجة كأنه المعني بالأمر . ربما غاظه الوضع ، ربما رأى فيه استنقاصا من قيمته كطبيب مختص في أمراض الكلى يعوده القاصي و الداني . استأذنته في إشعال سيجارة فأذن لي رغم أن المعلقة التي خلفه تتحدث عن مضار التدخين ، و في مدخل العيادة و قاعة الانتظار علقت عدة ملصقات تفيد بمنع التدخين . أخذت نفسا عميقا من سيجارتي ، نفثت دخانها في سقف القاعة . مرت لحظات صمت رهيبة جدا مرت كأنها ساعات و أيام لمسجون ينتظر قرار القاضي بشأنه .
– دكتور ، لا شيء مقلق في الأمر . بالعكس أنا فرح جدا لأني استطعت تحقيق ما عجزت عنه طوال سنوات .
بدت علامات استفهام و حيرة تلوح في محياه .
– أنا لست مغتاضا أو مهموما من الأمر . بل عرفت سبب تثاقلي و إحساسي بوزن زائد و جاذبية أكثر تشدني إلى الأرض . سأخبر أمي أني أحمل أحجارا في جسدي و هي التي كانت دائما تعيرني بأني شديد الفرفشة ، دائما ما كانت تصيح في ” ديما طاير أنت ، ارزن يا كبدي ” كما تقول ، لقد حققت لها حلمها أخيرا . سأخبر حبيبتي السابقة بذلك أيضا ، و هي التي تركتني بتعلة أني لا أملك منزلا ، أخيرا امتلكت ما يبني لي منزلا يا حبيبة . لن أضطر بعد الآن للتفكير بشأن الاستدانة من صاحب محل مواد البناء . الآن بإمكاني أن أشارك في جميع مظاهرات العالم و إن كانت على شاطئ البحر ، فأنا أملك ما يمكنني أن أرجم به قوات البوليس القمعية لجموع المطالبين بالحرية . لن أخاف بعد اليوم من كلاب الحيّ ، و قطاع الطرق أواخر الليل. لن ينتابني القلق مجددا بشأن وضع حدود بيننا و بين جارنا الجشع في قطعة الأرض المجاورة لبيتنا . لن أحتاج بعد الآن لحمل حجر في جيبي لمسافة طويلة من حينا المتواضع كي أرمي به في شرفة حبيبتي الحالية المتزوجة و هي التي تقطن حيا راقيا لا أحجار متناثرة هنا و هناك ، لتخرج إلي آخر الليل بغية محادثتها و رؤيتها تطل عليّ عاليا كقمر ينير ظلمة ليالي الكئيبة الموحشة ، كما يفعل جميع العاشقين مخطوفي الألباب . لست قلقا بشأن الأحجار التي سأرجم بها إن سولت لي نفسي مواقعتها ، لست قلقا بشأن الأحجار التي ستوضع فوق قبري إذا ما عجز الطب عن مداواتي و أدى بي الأمر إلى الموت .
لن أقلق بشأن كل ما ذكرت آنفا فلدي ما يكفيني .
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً