الرئيسيّة » قصّة » شوق لا ينتهي-سفيان سعيداني 
قصّة

شوق لا ينتهي-سفيان سعيداني 

Share Button

شوق لا ينتهي-سفيان سعيداني 

و قد أيقنت أن للإنسان طاقة روحانية عظيمة تدفعه دوما لتخطي المشقات القاهرة ، وتراءى لي أن المرض ليس بعلة أو مصيبة ، إن الإنسان الذي به حب كامن مطلق و إرادة صلبة لا تلين و عزم ثابت لقادر على أن يحول المرض إلى قوة رهيبة تدفعه نحو العيش و النجاح ، و كم من أدباء و مبدعين و فلاسفة جامحين تجرعوا مرارة الأوبئة فحولوها إلى نار فاندلعت تلتهم بألسنتها المستحيل ، نحن لا نحتاج لجسد قوي البنيان شديد البئس ما دامت تسبح بداخله نفس عليلة عاجزة ، نحن نحتاج إلى من تمرد على عراقيله فحولها إلى طريق قادته نحو رفعة منزلة مجيدة مشيدة بانجازات جبارة ثاقبة . و عندما اشتد بي المرض يومها حتى انصاع بي إلى حد الأرق أحسست أن الأشياء حولي تتدمر و تتحطم و أن الزمان في عجلة فائقة السرعة يتقلص و يندثر ، فانهمكت بشراهة قصوى على القراءة و الكتابة ، حتى خشي علي الأهل من الجنون ، و اندفعت من ذلك الجسد العليل طاقة هائلة من فيض الألفاظ و المعاني ، أحسست حينها بحقارة جسدي و أيقنت أن الكينونة و الإطمئنان ليس في المسرات كأكل و شرب و نوم ، إنه في وجود الذات و الإلتحام بالروح الجوهرية ، و على الرغم من أنني تجاوزت تلك المحنة القاسية إلا أنني ارتويت من بحر تجربة جعلتني أظمأ أكثر فأكثر و جعلتني أفتش بلهفة عن سر قواي الكامنة و عن حقيقة ذاتي الضائعة ، و ما هذه الكلمات إلا كعين ذات ماء زلال أدركها صاحبها بعد ان اشتد به عطش و ضاع عن بصيرته السبيل ، إنها عبرة و طاقة لكل من سولت له نفسه أن يلتجأ إلى العجز و الهوان بسبب مرض  أو علة فأضاع ذاك الوهن كثيرا من حياته . ليس من الحكمة أن يتسخط المرء على الأقدار فقد تقبلت ذاك المرض برضى تام و أيقنت أن الأقدار التي هي من عند البارئ لا تأتي بمصيبة إلا و بعدها فرج ، لم أنم في تلك الليلة و لكي أكون عادلا لم أستطع ، شغلت نفسي بكتاب عظيم ل ” إيكارت تولي ” بعنوانه العجيب ” قوة الآن ” و قد تناسب مع حالتي التي ما انفكت تراودني منذ أسابيع ، انهمكت بقرائته طيلة الليل و عندما فرغت من جميع فصوله تناسيت أمري حقا ، لقد أعطاني درسا عميقا لحقيقة الزمن ، إنه لا وجود لماض و مستقبل فالحقيقة الوحيدة على وجه الأرض هي اللحظة الراهنة الحاسمة ، و كنت فيما مضى قد أصبت بنوع من الهلوسة فقد خلت أن مرضي إنما هو جراء لحظة ماضية حتمته علي ، و ارتعت خوفا من المستقبل الذي أنا بصدد الإقبال عليه بهذه الحالة ، و لكن الآن تيقنت من زيف تلك المعتقدات الجائرة ، و قلت في نفسي : ما دامت أنفاسي تمتد فلست أبالي ما إن كان جسدي صحيحا أو عليلا . فوكلت أمري إلى الله و نمت في طمأنينة عجيبة ، و لما آن الصباح اتجهت فورا نحو مكتبي و انهمكت في نصوص و أفكار بديعة و بطاقة إبداعية لم أكتسبها من قبل حررت عديدا من الخواطر و الهواجس و الأشعار و القصص ، و علمت أنني لم أكن عاجزا ما دمت لم أفكرفي عجزي و أضع برزخان من النار ، ماض خلفي و مستقبل أمامي و من القصص التي كتبتها هذه القصة الطريفة التي أعتبرها نوعا من التأملات و نوعا من الكريتيكيا للمنظومات الإستشفائية . كانت حالتي قد بدأت في التحسن تدريجيا ، فقد اكتسبت طاقة من الإصرار و التجلد ما جعلني أحتقر مرضي فلم أعد بذلك أعير له أي اهتمام ، و صار كشيء عادي يرافقني ، أو قل كصديق حميم ، و لكنه لو تجسد في صورة بشرية لكان صديقا ثقيلا بحق . في بداية الأمر رفضت الأمر فقد كنت أؤمن أن حالتي سائرة بنسق هادئ نحو الشفاء و لكن بإصرار شديد من أمي و أبي وافقت على قرارهم بأن أنطلق إلى المدينة المجاورة لكي يفحصني طبيب في مستشفى كبير يتواتر عليه الناس و يمدحونه كثيرا ، كان الفصل في عمق الشتاء حينها و لما كان الصباح أتى عمي مبكرا لكي يصطحبني ، فاضطررت أن أترك فراشي الدافئ و كتبي و كنت أعلم أنني لن أشاهد فلم البؤساء الذي لم أفرط في حلقة منه منذ البداية ، حقيقة لقد كان فلما جبارا و هي رواية للكاتب الفرنسي الشهير ” فيكتور هوغو ” هي رصد لحالة البؤس التي كانت تعاني منها فرنسا و بالأخص مدينة ديني التي دارت فيها بدايات الأحداث ، نهضت رغما عني و ارتديت ملابسي في تأن و كان عمي ينتظرني في المطبخ متلذذا بسيجارة و كأس من الشاي ، و عندما تهيأت للذهاب قبلتني أمي من جبيني و أغدق علي أبي بالنقود قائلا : اشتر لك من الكتب ما شئت . و قد كان قديما يمنعني من شرائها لفرط ما أنفقت في سبيلها نقودا ، لقد كنت أرتضي لنفسي لباسا قديما فأشتري بنقود اللباس الجديد روايات و قصصا و كتب فلسفة . أما عن جدتي فقد شيعتني بأدعيتها آملة لي الشفاء العاجل . خرجنا في نحو السابعة و كان الضباب يقتحم الغابة اقتحاما ، في الحقيقة أنا لا أطيق فراق القرية و لكن لضرورة ما لا بد أن تتمرد أحكام ، إن قريتنا على الرغم من صغرها إلا أنها غاية في جماليتها كأنها عروس في أوج فتنتها تقع قريبا من سد ضخم يدعى ” بوهرتمة ” إنه صورة لعمق بحر ، فقد كانت مياهه زرقاء على الرغم من عذوبتها فكنت في بعض الأمسيات أتنزه على ضفافه ثم أجلس فيهب ريح يتموج له الماء ، و كنت أبوح للسد بهمومي لقد كان حقا كالبحر فهو يسمع و لا يجيب و يصادق و لكن لا يؤتمن . مررت يدي على العشب الذي كان يملأ الطريق و رفعت أناملي و قد ابتلت بفعل الندى قطرات باردة لكنها على الرغم من ذلك عذبة الملمس ، كنت أقلب بصري بين السرو و الصنوبر و السنديان و الصفصاف ، و مازالت المسافة ممتدة حتى الطريق المعبد ، كان عمي يسير بصمت منشغلا بشيء ما قد استحوذ على فكره فلم أشأ أن أنغص عليه لحظته ، و أنا في حد ذاتي أصاب بآلام حادة في صدري و حلقي كلما أكثرت الكلام ، فما كان مني إلا أن تهت بفكري مثله . ولمحت يمامة كانت تنزل إلى غدير به الوحل فتأخذ منه قليلا ثم تنفض إلى جذع شجرة فتأخذ قطعة صغيرة من الخشب المتساقط و هكذا كانت تبني عشها خشبة فوق خشبة في شكل دائري و بين الخشبة و الخشبة وحل يثبتهما ثم يجف فيصبح شديدا لا تؤثر فيه الرياح ، كانت يمامة رائعة بلونها الأبيض و الرمادي ، أتذكر في صغري أنني كنت مولعا بتربية عصفور فرحت أرتع في أرجاء الغابة بحثا عنه ، و لكنني كلما اقتربت منه إلا و فر قبل أن أدركه ، و فهمت حينها لماذا يرمى للحرية برمز الطائر ، فقد تيقنت أنه أشد المخلوقات حرصا على حريته ، و له كذلك نوع من فلسفة الحذر المفرطة و خاصة من البشر . وصلنا إلى الطريق المعبد و وقفنا جانبا ننتظر سيارة لنتجه صوب ” بوسالم ” ثم بعد ذلك نحو ” جندوبة ” التي يقع فيها المستشفى الكبير . كنت أرمق القرية بنظرات حسرة ، فقد أمهلني هذا المرض أياما من الراحة حتى أبتعد عن المعهد و إقامته و أنعم بفترة هادئة لا أفارقها فيها ، و أنا على تلك الحال من الشرود إذ بالسيارة تتوقف أمامنا . ركبنا و انطلقت بنا مسرعة ، و أدركنا بوسالم بعد مسيرة كيلومترات ، و كان يوم خميس ينصب فيه بالمدينة سوق ضخم يغطي الشوارع و الأنهج ، أنا و عمي في نفس السواء ، فقد كنا نضيق بالزحمة و الجلبة ، و قد لاحظت ذلك على وجهه العابس و لاحظ هو ذلك من وجهي الذي تغيرت ملامحه فلم يفتر عن ابتسامة منذ دخلنا السوق ، كانت الضوضاء مرتفعة ، تجار بأصواتهم المرتفعة و رجال يتحاورون و يقهقهون و نساء يتجاذبون أطراف الحديث فلا يهدءون ، و كانت الثياب و الأحذية تباع على طاولات متسعة هائلة مثبتة طاولة حذو طاولة ، و هناك فيما هناك طيور و أرانب و ديكة معروضة للبيع و كلاب متشردة تجوب المكان و ثور قد جن جنونه فانفك من قيد صاحبه فراح يعبث بقرونه و يفزع المتجولين و المارة ، ضحكت في نفسي لكل هذه المشاهد ، أنا بالفعل أحب هذه الأجواء الجنونية و لكن في هذه اللحظات أصبت بدوار و آلام في رأسي و لم تنتهي إلا فور خروجنا من السوق . إني لأمقت عيشة التحضر و المدنية فهنا يكثر الإلتزام بأشياء تافهة و يكثر كذلك الكبت الذي ينجر عنه الإجرام و الشذوذ و ما إلى ذلك من أوبئة النفس المستعصية ، إني أفضل عيشة الأحرار منعزلا في البراري و الغابات مثلما كان يفعل الأمازيغيون حتى إن ترجمة لفظ الأمازيغ تعني الإنسان الحر أو صاحب الأرض . مررنا في شارع متسع و طلبت من عمي أن نتجه صوب أحد المكتبات ففعلنا ، و وجدت الفرصة متاحة لأشتري كتابا ، و قد اشتريت رواية عنوانها ” الكيميائي ” للكاتب الإسباني باولو كويلو ، و لحسن حظي أني فعلت فقد مررنا على بوسالم مرور الكرام و اتجهنا إلى محطة أخرى و ركبنا سيارة أجرة نحو جندوبة فانشغلت و شغلت وقتي بالرواية أطالعها ، لقد أحسست في بداية الأمر أنها رواية تنم عن عبقرية فذة ، و حقا أصبت فقد كانت تروي حكاية فتى يدعى ” سانتياغو ” و هو بصدد خوض مغامرة ترائت له في حلم ، قرأت صفحات مديدة و عمي بجانبي تارة يحدث السائق و تارة يلتفت لي فيحدثني عن قصص طفولته فكنت أضع بعض الأحيان الرواية جانبا و أصغي له بتمعن و في بعض الأحيان كنت أرمي ببصري من زجاج نافذة السيارة فألمح أراضي شاسعة منثورة بشتى الزراعات و قد كانت الآلات المستخدمة متطورة كثيرا ، لقد نجح حقا أهالي جندوبة في تعصير الفلاحة ، و كيف لا و قد كانت الأراضي ممتدة غير متقطعة و حمدت الله أن ثار الوعي على النظام الإقطاعي الجائر و إلا لكنت الآن أنا و عمي نظرب بالفأس و يتعالى علينا أصحاب الأراضي أو كما كانوا يسمون بالسادة ، إنه عصر الحرية و التحرر و لكن هنالك شعوب حقا لا تصلح لهم الحرية إلا إذا كانت محدودة فنفوسهم قد تعودت الديكتاتورية فأدمنتها  . لم أشعر بالوقت يمضي حتى توقفنا في محطتنا المنشودة ، جندوبة ، كنت قد تناسيت لما أتيت فعلا فقد نسيت أمر مرضي فتناساني و بقيت آلام طفيفة كانت تراودني في صدري و ظهري و قدماي من كثرة جلوسي و من قلة نومي في الليل ، وضعت الرواية في جيبي و حتم علينا أن نستقل تاكسي لتوصلنا إلى المستشفى و حقا فعلنا ، كانت تتموج بنا كثعبان بين الأزقة ، إنها المرة الأولى التي أطأ فيها هذه المدينة ، إنها تشبه بدرجة كبيرة تونس العاصمة ففيها حركة دائمة و جولان و بها مقاه كثيرة و فنادق و كليات و مدارس و معاهد و فضاءات ترفيه و رياضة ، و كان بين الأزقة زقاق يميل إلى العتاقة و العراقة و قد استهوتني تلك الديكورات التقليدية الرائعة . توقفت التاكسي أمام بناية ضخمة جدا على أربعة طوابق ، مشيدة بشكل متماسك ينم عن الصلابة و كانت تلك هي المستشفى ، قطعنا الطريق صوبها و قد ألفينا رجلا منتصبا بطاولة أمام المدخل الرئيسي عليها أنواع شتى من المأكولات الخفيفة و الشوكولاطة و الحلويات ، لقد أعجبني حقا هذا الرجل فهو على الأقل بهذا العمل الذي يحتشم به البعض يجني قوتا يوميا و يناظل من أجل لقمة العيش لا كالذين ينتظرون اللقمة السائغة لا يعلمون من أمور العزم سوى التواكل . اشتريت من طاولته قطعة من الحلوى و قد رحب بي ، كان وديعا و بشوشا ، دخلنا و كانت الفاجعة ، وجدت نفسي في بلاط واسع به حدائق مهملة أعشابها ، تترامى فيها النفايات في أركان منها حتى تألب عليها الذباب فعبث بها عبثا و كان الناس يتنزهون فيها روحة و جيئة كأنهم في إحدى الجزر الخيالية الساحرة ، تجاهلت الأمر ثم سألت عمي عن سر تلك الشقق في الطوابق العليا ، فأجاب : إنهم مرضى يقيمون هنا . فاشمئززت في نفسي لقدتجاوزت الإقامة المعاهد حتى وصلت إلى المستشفيات ! ، و تأسفت لحال أولئك المقيمين إذ أن الأجواء هنا لن تكون طيبة و لا أفضل من المنزل ، اشترى عمي قهوة له و قهوة لي و دخلنا و زدت فزعا على فزعي فقد اعترضتني في المدخل رائحة المعقم التي لا أطيقها ، عدت أدراجي وضعت القهوة في سلة المهملات بعت أن احتسيتها حتى آخر رشفة و دخلت أتقفى أثر عمي ، سجلنا بأحد النوافذ ، كانت بناية متسعة مفصولة بسور في منتصفها و لا تنم الأجواء إلا عن نوع من القتامة و الردائة ، كان طلاء الجدران باهتا و مثله طلاء الأبواب بيد أن الطلاء الأزرق في أغلب الأحيان يتجاوز الأبواب و النوافذ ليقع له لفح على الحائط ، و كانت الأرقام المسجلة على نوافذ التسجيل مسجلة بطلاء أحمر غامق اللون ، فأثير في نفسي نوع من الإشمئزاز  و قد هالني ما رأيت فهنا يختلط المرضى من كل صنف و لون ، و لكن ما أثار في نفسي غضبا شديدا هو معاملات الممرضات و العاملين في الميدان الصحي بصفة عامة إلا أشخاصا قلال حقيقة وجدت فيهم نوعا من الطيبة العجيبة ، لقد كانوا ينهرون المرضى و يصيحون بوجوههم و يعاتبونهم و وصل الأمر حتى للطرد ، و قلت في نفسي : أما علم هؤلاء أن المعاملة الجيدة للمريض و إثارة التفاؤل في نفسه هي نصف العلاج ، و لكنهم كانوا يزيدون المرضى مرضا على مرضهم ، المهم ، رأيت أصنافا كثيرة من المرضى و لكن ما أحزنني حقا هم المرضى النفسيون ، إننا نعيش في خضم مجتمع لا يعترف بعلم النفس و يفضل أن يبقى على حاله تلك من القلق أو اليأس دون أن يقوم بجلسة في طب النفس معللين ذلك بجملة معروفة متواترة : و هل أنا بي ضرب من الجنون حتى ينتهي بي الحال إلى مصحة نفسية !؟ . و لكن بعد أن تتفاقم حالتهم يذهبون مرغمين ، و هنالك الصنف الثاني منهم ، هم أولئك الذي يهرعون إلى طرق أخرى لحل مشاكلهم النفسية ، و لكن تناسوا أن ذلك حل مؤقت و بعد ميعاد تتعكر الحالة إلى حالة أشد سوء مما كانت عليه ، رأيت أصنافا عجيبة من الأمراض النفسية ، فهذا يتكلم وحده دون انقطاع ، و ذلك لا يكف عن الضحك ، و آخر ملتف حول نفسه متحرس كأن به مطارد و آخر لا يكف عن الخوف فقد كان يخال أن جماعة من أقرانه يطاردونه ليقتلوه ، لقد رأيت مشاهد أخرى أعجب من العجب ، فحزنت كثيرا و قلت في نفسي : أين أنت يا فرويد ؟ . نظرت إلى عمي الجالس و قد هممت أن أقول له : أتعلم ما سر شفائي ؟ ، إنه في الغروب عن هذا المكان ، إن ظللت هنا أكثر سأجن حتما و سيكون شفائي مستعصيا من قهر المشاهد التي رأيتها . و لكن كل النقود التي أنفقناها في سبيل التنقل ليست قليلة ، و لسان حال عمي يقول : لا رجوع ! … إلى العلاج … إلى الأمام . انتضرت حتى عيل صبري و في النهاية أتيحت لنا الفرصة أن نقابل الطبيب ، رحب بي ، اشتكيت له عن علتي و آلامي ، فاستمع لي بازدراء في عينيه اللائحتين عني ، و كتب لي دواء كالعادة ، و خرجت مفعما بالحماس إذ أنني سأعود الآن إلى قريتي و هدوئي ، و خرجنا و أنا أحمد الله أن خرجنا ، و اقترح علي عمي أن نتناول الفطور فوافقت و انطلقنا صوب مطعم جميل رصع بالبلور فتغدينا فيه على رونق و هدوء وكان عمي لا ينفك يمازحني و أنا أضحك تارة و أتفقد الكتاب الذي وضعته في جيبي تارة أخرى ، و عندما عدنا أدراجنا و انطلقت بنا التاكسي ثم السيارة ، نمت طول الطريق و لم أستفق إلى في بوسالم ، اشترى عمي أكياسا من الخضراوات و الفواكه و اشترى لي الدواء و ناولني إياهم و قد نبهني أن أتناول الدواء بانتظام فأبديت له تأكيدا و لكنني في الحقيقة أؤمن أنني تغلبت على المرض بفضل إيماني و صبري و قد حولت طاقة مرضي إلى قوة هائلة سيرتني نحو الحياة فبذلك لن ألمس هذا الدواء ، مضى عمي إلى المقهى و عدت أنا محملا بتلك الشؤون التي ناولني إياها ، مررت على المعهد و ألقيت عليه نظرات خاطفة و قد قلت في نفسي : لقد تنعمت بالغياب عنك أياما معدودات و لكنني سأعود إليك قريبا و إلى أيام التسكع بين المكتبات و سأعود إلى الفضول في حصص الدرس ، أما الآن فأنا قادم ياكتبي أنا قادم يا مسلسل البؤساء ثم نظرت بعيدا إلى أمامي نحو الأفق فلمحت قريتي مطلة بأطلالها البعيدة ، وقد زاد شوق لا ينتهي لها و لدفئها و لربوعها .

Facebook Comments
Share Button
الكلمات الدلالية

اترك تعليق

اضغط هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 17٬824 مشترك