رحلة شبقية في الصحراء -أسامة سليم

img
Share Button

رحلة شبقية في الصحراء !

-أسامة سليم

غَرَقًا في عسل رضابكِ أحب تلك الأشياء الجميلة التي لم تحدث بعدُ، أحبكّ بين التلميح والتصريح وأحب جفائك المتواصل وأحب طلاء أظفارك وأحب نهداك كنزَ أحلامي.

يوم جديد يمرّ دون أن يتفطّن كلانا إليه.. عبثا وزورا أعلمك بالخيبة التي مضت والخيبة القادمة. فتهنئينني على القدوم، أحاديثك موّشاة بالخمرة والتبغ والملح، أنوثة فيّاضة من تينك العينين، غنج جمالك الذي لم تزده معاشرة الفرنسين والايطاليين والمالطيين إلا ظرفا وتهذيبا..
سأحدّثك في ليالي الشتاء الباردة عن أعراسنا، عن خراطيش البارود والكسوة والجحفة ولحم الضأن والكسكسي وفضّ البكارة،
سأداعبك في قطار المحطة الذي يخترق جوف السماء ناشرا عبابه، سأقبلك تحت صومعة المساجد وفي ظلّ الآذان وأداعب رقبتك المغزولة بالحرير، سأحدّثك عن الخُبيزّة واللازول والعيش والمردومة والكسرة والطوارڨ وقبائل البدو ورؤيا الصالحين وكراماتهم.

من رحم الصحراء أتيت، بجسد فائر بالشهوة والشبق، سأحدثك في ليالي الشتاء الباردة عن الحملان والأيّل أو برّاق يخترق السماء، فارس والخيل والليل والبيداء تعرفني، من وهج الشوق المبهم ورحيق الزهور. طُبعت ملامح أنوثتك الفياضة في ذاكرتي كوشم عصيّ على النسيان ذلك وهج الحريق الذي التهمني، كالنار في الهشيم.

كان علينا أن نكرر لقاءاتنا كي ينفضح أمرنا أو نزداد جنونا، تلك النقاشات العقيمة التي كنا نعلم سلفا بأننا لن نصل إلى نتيجة، فقط كي نكسر ذلك الصمت الرتيب الذي بيننا. أنا ابن الجنوب الفائر مُحاصر بمناخ قاسٍ وأنتِ إبنة البحر والريحان.. حتي تباشير الربيع على وجهك تضفي على الجو إحساسًا بالدفء. عيناكِ ضوء منبعث كوهج رغم خفوته على الجزء الأسود من قلبي جدولا ورقراقا..

كُنت حرّة كطيف النسيم تغدق الحنان واللذة تصوغ بصوتكِ وأنينك وزفرتك وأنفاسك أجمل القطع الموسيقية، وكنت بذيئا كنبتة شيطانية تخرج من مسام جلدي وترويه من عسلها الذي تُسِيلهِ قطرات مصفاة ما يطفئ عطشا لا ينتهي..

أحبك وأحب حبتي اللوز على نهديك ناضرين، غبطة وانتشاء وأحب الغيوم المتلبدة في وجهك الصبوح.. ورضاب شفتيك المنكه باللازورد والعطور الباريسية.
عسلك وعسليّتك وروحك ونفسك وأحشائك كملاكٍ تفيض شهوة حسّا ومعنى.
سأحدثك عن قبائل البدو وهي تهوّم وراء السراب، عن الصرّار والنملة، وعن شيوعي القرن الواحد والعشرين، عن سجائر السليمز بين يديك وعن الحب العذري، عن أسس الماركسية
سأحدّثك همسا عن شوقٍ إلى تينك العينين، إلى رقبتك البيضاء، وإلى أحاديثنا الممزوجة بالبذاءة.

—-

سأقصّ عليك من أنباء الأوّلين، هذا المكان لي. وهذه الصحراء لي.. وطيور المنيار التي تحلق في السماء العالية تعرفني كما أعرف الخطوط المتشابكة على راحة وكف يدي .
لا أحد في الهذا المكان يعرف أنطونيوا غرامشي.. كتابات جول دوليز يستعملها شيخ القرية كورق حمام .لا نعرف الأدب السريالي.. والحقوق الكونية وثنائية السيد والعبد.. الجميع هنا أسياد على زوجاتهم.. عبيد للسلطة.. لا نعرف الحقوق بقدر ما نعرف الواجبات
هنا، لا أحد يجيد الكتابة إلاّ شيخ القرية لأنّه يدوّن ديوننا
هنا، جميع الأبواب مفتوحة و قلوبنا كذلك
هنا، لا أحد يعرف إيديث بايف و شارلز أزنفور
—-
بذاءتك التي كانت تصدمني في بادئ الأمر. ورؤيتك الجنسية للعلاقات. سأكتب إليك في سواد الصمت عن المثقف العضوي والأممية الشيوعية ونهر النيل وباتريس لومومبا وجمال عبد الناصر. عن ديون الفلاحين ومحاصيلنا التالفة، عن سلطوية الرجال وفحولتهم المصطنعة ومراقد الأولياء وبركاتهم.
عن الجنوب والقبائل وورغمّة والحبّ والمعنى والدلالة والمفهوم.

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً