حقيقة دفن الملك الصليبي لويس التاسع بتونس

img
Share Button

حقيقة دفن الملك الصليبي لويس التاسع بتونس

بقلم | أحمد عبد الفتاح حسين أبو هشيمة – دكتوراه بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية جامعة الفيوم –  مصر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد ،، أضمحلت الحركة الصليبية على العالم الإسلامي في العصور الوسطى بموت الفرنسيس (لويس التاسع) فى تونس عام (669هـ/1270م)  ، وكان ذلك إيذانًا ببداية رحيل القوات الصليبية وإنهاء وجودها في الشمال الافريقي ، ولكن بعد موته تولي قيادة هذا الغزو الصليبي ابنه (فيليب الثالث) ، وبالرغم من ذلك فقد آثار موت الفرنسيس نفسه ضجة كبيرة في العالم الإسلامي ، وبالرغم من ذلك فقد أدت وفاته إلى اختلاف المؤرخين إلا أنه اتفق جموعهم على أن أحد أبنائه هو الذى تولى قيادة الحملة من بعده ، وانحصرت آرائهم حول أبنه الذى ولد بمصر عقب الحملة الصليبية السابعة وكان يدعى (دمياط) ، بينما صرح كل من : (روبار برنشفيك وميشيل بالار) بأن الذى تولى قيادة الحملة بعد موت الفرنسيس هو ابنه (فيليب الثالث) بالاشتراك مع الكونت شارل انجو حاكم صقلية.

ومن هنا يمكن القول بأنه تعددت الأسباب والموت واحدًا هكذا يرى البعض ، ولكن الذي غير مجرى سير القوات الصليبية هو المرض الذى عرف (بالوباء) حيث تفشى في كل من الجيشين المتقابلين، فأتى على الكثير من الناس، ولم يسلم منهم لا خاصة الناس ولا عامتهم، بما في ذلك الفرنسيس لويس التاسع نفسه، فقد مات أولا ابنه (جان كريستان)، ثم (الكاردينال) ثم (لويس التاسع) نفسه في الخامس والعشرين من أغسطس 1270م/ محرم 669هـ ، في نفس الساعات التي كان فيها الكونت (شارل دانجو) فوق سفينته يستعد للنزول بميناء قرطاجنة([1]).

وفاة الملك الصليبي في المصادر العربية

أورد ابن خلدون (المتوفي 808هـ) الأسباب والملابسات التي أدت إلى وفاة الملك الصليبي لويس التاسع؛ فقال: “أصبح ملك الفرنجة ميتاً، يقال: حتف أنفه، ويقال: أصابه سهم عربي في بعض المواقف، ويقال: أصابه مرض الوباء ، ويقال – وهو بعيد -: إن السلطان المستنصر الحفصي بعث إليه مع ابن جرام الدلاصي بسيف مسموم، وكان فيه مهلكه، ولما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط ، وسمي بذلك لميلاده بها، فبايعوه واعتزموا على الإقلاع، وكان أمرهم راجعا إلى العجلة، فراسلت الحملة المستنصر أن يبذل لها ما خسروه في مؤنة حركتهم، وترجع بقومها فأسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الانصراف إلى مشاتيهم”([2]).

وقد اختلفت المصادر الإسلامية والمسيحية في تحديد نوع هذا الوباء، ومدى خطورته، فمنهم من ذكر أنه وباء، و منهم يقول: إنه طاعون مثل ميشيل بالار، ومنهم من يسمه حمى مثل سيد الحريري، أما برنشفيك فيقول: إنه وباء الإسهال، وهناك فريق ذهب إلى أنه داء الدوسنتاريا، وهناك فريق آخر أشار إلى وجود مرض بتونس دون تحديد نوعه .

وبموت لويس التاسع بدت نهاية الحملة الصليبية وفشلها أصبح واضحًا ، ويرى العديد من المؤرخين المحدثين ممن اهتموا بتاريخ الحركة الصليبية على وجه العموم، ودور فرنسا فيها بوجه خاص، أنه بوفاة لويس التاسع تلاشى الأمل الأخير إلي كانت تتعلق به مملكة اللاتين في الشرق، فكان ينظر إلى ملوك فرنسا على أنهم المدافعون الحقيقيون عن مصالح بيت المقدس([3]).

وفي هذه الفترة الحرجة التي كاد فيها الوباء يقضي على الجيش الصليبي كان لابد من فعل أي شيء من قبل المسلمين لاستعادة قرطاجنة؛ حيث كان الصليبيون همهم الأول إيقاف المرض، وتشتت أمرهم، ويصف المؤرخ بيبرس المنصوري (المتوفي عام 725هـ) الحملة الصليبية بعد موت لويس فيقول: “أهلك الله الفرنسيس، فتفرق الفرنج لموته”([4]). وقد تولى قيادة الحملة بعد وفاة لويس التاسع ابنه ( فليب الثالث) ، وذلك لحين وصول عمه (شارل دانجو) الذي كان فوق سفينته يستعد للنزول بميناء قرطاجنة([5]).

واختلفت المصادر التاريخية الإسلامية حول شخصية (فيليب الثالث) ، فرأينا أن ابن خلدون يشير إلى أنه بعد وفاة الملك الصليبي لويس التاسع تولى قيادة الحملة ابنه الذي ولد بدمياط، ولكن الذي ولد بدمياط هو تريسان (يوحنا الحزين)، وقد توفي في أثناء الحملة على تونس وليس فيليب الثالث([6]).

وتجدر الإشارة إلى أنه ترأس (فيليب الثالث) قيادة الجيش الصليبي ، ثم توارد قدوم مراكب صليبية في البحر، ونزل الرجال منها إلى البر، وكانوا عساكر (كارلوس) صاحب سيسيليا([7])، وفي أثناء نزولهم إلى البر لم يجدوا أحدًا من الصليبيين قد حضر لمقابلتهم، فساروا إلى أن وصلوا إلى معسكر الصليبيين، وسار (كارلوس) إلى أن وصل إلى خيمة لويس التاسع، فوجده ميتا، فبكى عليه([8]).

ودفن الملك الصليبي لويس التاسع  بمدينة قرطاجنة بتونس يوم 10 محرم 669هـ/10 أغسطس 1270م، وقد اختلف المؤرخون حديثًا حول نقل جثمان الفرنسيس لويس التاسع بعد موته إلى فرنسا، ودفنه هناك؛ فيقول ميشيل بالار: “إن عودة الملك الفرنسي (فيليب الثالث) إلى فرنسا يشبه ما تكون بجنازة ، فالأسطول يحمل رفات القديس لويس، ورفات عدد آخر من أفراد الأسرة المالكة الذين ماتوا خلال الحملة” ([9])

والمثير للدهشة واللافت للانتباه أن بعض المؤرخين المحدثين من العرب يصرحون بأن التهافت الفرنسي تجاه الشمال الافريقي واستعماره لفترة طويلة ما هو إلا تلبية الفرنسيين لنداء شهيدهم الدفين بتونس ، فى حين يصرح مؤرخي الغرب أنفسهم بأنها نقلت إلى بلاده كما أشرنا فى ضوء روايات بالار وبرنشفيك وكانت بمثابة بجنازة عسكرية .

وبالنسبة لخط سير الحملة بعد وفاة الفرنسيس نجد أنهم عقدوا مجلس مشورتهم للنظر في أمرهم، فقرروا استمرار الحصار والمحاربة([10])، وكان من أول أعمال شارل دانجو أن قام بعملية رفع بها معنويات الجيش الصليبي؛ ففي الرابع من شهر سبتمبر (أي بعد تسعة أيام من وصوله) قام بحملة على المحتشدات الحفصية، أجرى بها معركتين أرضية ومائية في بحيرة تونس، لكن المحاولة لم تكن إلا للرفع من معنويات الجيوش الصليبية، لاسيما الجموع الجديدة الواردة، كما قام الحفصيون بمعركة في المقابل في منتصف المحرم (669هـ/ 1270م) بقيادة يحيى بن صالح الهنتاني، وهي أبرز معركة سجلت في تاريخ الغزو الصليبي لتونس، وقد تكبد فيها الفريقان خسائر فادحة([11]).

وقد تفرد المؤرخ ابن خلدون (المتوفى 808هـ) بإحصاء خسائر الصليبيين بخمسمائة قتيل، وساد الهلع والفزع سكان العاصمة، وظنوا الظنون، واتهم السلطان بالتحول عن  تونس إلى القيروان([12])، ولكن أي من الجانبين لم يستطع أن يرجح الكفة العسكرية إلى جانبه فابتدأ التفاوض بين الفريقين، وكان كل منهما يجنح لقبول التفاوض والوصول إلى اتفاق تنتهي به الحرب([13]).

المناخ ودحر الخطر الصليبي بتونس  

وشكل المناخ عاملا هاما في دحر الخطر الصليبي تجاه الشمال الأفريقي ، حيث أن قدوم الشتاء جعل الأعراب يعتزمون العودة إلى مشاتيهم على حد تعبير المؤرخ ابن خلدون، بالإضافة إلى تخاذل الخليفة الحفصي ومواقفه السلبية التي اتسمت بعدم المسئولية ، كل ذلك جعله يجنح للسلم ويشرع فى قبول الشروط التي اشترطها الكونت شارل دانجو عليه. وعلى الجانب الآخر فقد كان الملك الفرنسي الجديد (فيليب الثالث:) لا يريد البقاء والاستمرار([14])، وقد تبين لنا ذلك عندما عاد (فيليب الثالث) إلى بلاده ومعه رفات والده ورفات باقي أفراد الأسرة المالكة الذين ماتوا في أثناء الحملة، عقب الصلح مباشرة.

ويضاف إلى ذلك أهمية تغير المناخ وما يمثله من خطورة بالغة على بقايا الجنود الصليبية التى نجت من الموت ، لذا سارع (شارل دانجو) فى إنهاء عقد الصلح؛ حيث إنهم بدأوا يفكرون في العودة قبل قدوم فصل الشتاء. وبذلك يمكن القول أن هذا الوضع شكل حائلا أمام الكونت (شارل دانجو) بحيث أنه أصبح غير قادرًا على الصمود والمجابهة؛ لذلك فعندما شعروا باستعداد المستنصر لقبول الشروط استجابوا للتفاوض معه وتم عقد المعاهدة ، وتجنبًا لأية مخاطر من الممكن أن تعرقل وجودهم بتونس.

ويضيف إلى ذلك المؤرخ الغربي برنشفيك: “إن الوباء قد تفشى في صفوف الجنود المسلمين أيضا، ومن ناحية أخرى فبناء على قرب فصل الشتاء، أصبح رجال القبائل الرحل يهددون بالرحيل في اتجاه مراعي الجنوب، حسب عادتهم المألوفة، وخشي السلطان أن يجد نفسه مضطرًّا إلى الجلاء عن عاصمته للالتحاق بقسنطينة أو القيروان، كل ذلك دفع الطرفين لعقد الصلح”([15]).

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن تباطؤ الخليفة المستنصر بالله الحفصي في الدفاع عن تونس جعله يتعرض للنقد من المؤرخين؛ وذلك لأنه لو استعد لملاقاة الحملة قبل نزولها مدينة قرطاجنة لانتصر عليها، وخاصة أنه كان يعلم أن الأمراض قد تفشت في جنوده ، أضف إلى ذلك أن الفرنسيس كان كهلا كبيرًا يتخبط في قرارته؛ لذا فمن السهل هزيمة الحملة، ولكن التساهل كلفه الكثير من الأموال والأرواح. كما أن موت لويس التاسع عجل باضمحلال الروح الصليبية التي كانت تهدف إلى استعادة الأماكن المقدسة، وقضى على آمال الغرب نهائيا.

وخلاصة القول أنه تم نقل رفات القديس لويس التاسع إلى فرنسا ، وليس كما يدعي البعض بأنها توجد بمدينة قرطاجنة ، وقد اثبت ذلك مؤرخي الغرب أنفسهم أمثال بالار وبرنشفيك ، وبموت الفرنسيس اضمحلت الحركة الصليبية عسكريا على العالم الإسلامي في العصور الوسطى .


([1]) روبار برنشفيك : ((تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13م إلى نهاية القرن 15م)) 1/92، وانظر أيضا: محمد العروسي المطوي: : ((السلطنة الحفصية)) ، ص208.

([2]) ابن خلدون: ((العبر وديوان المبتدأ)) ،  6/379.

([3]) د/ سامية عامر: ((الصليبيون فى شمال افريقيا)) : ص167.

([4]) بيبرس المنصوري : ((التحفة المملوكية في الدولة التركية: تاريخ دولة المماليك البحرية في الفترة من (648-711هـ))) ص69، الطبعة الأولى، 1987م.

([5]) برنشفيك : ((تاريخ إفريقية في العهد الحفصي)) ، ص92، المطوي : ((السلطنة الحفصية)) ص208.

([6]) سيد علي الحريري : ((الأخبار السنية في الحروب الصليبية)) ص243.

([7]) كارلوس هو (شارل دانجو) أخو لويس التاسع، صاحب صقلية.

([8]) سيد الحريري : ((الأخبار السنية )) ص243.

([9]) ميشيل بالار: ((الحملات الصليبية والشرق اللاتيني)) ص243.

([10]) سيد الحريري: ((الأخبار السنية)) ص244.

([11]) محمد العروسي المطوي : ((السلطنة الحفصية)) ص209.

([12]) ابن خلدون : ((العبر)) 6/377.

([13]) المطوي: ((السلطنة الحفصية)) : ص209.

([14]) ميشيل بالار: ((الحملات الصليبية والشرق اللاتيني)) ص243.

([15]) برنشفيك: ((تاريخ إفريقية في العهد الحفصي)) : 1/92.

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً