الغرفة -نيران الطرابلسي

img
Share Button
الغرفة ضيقة جدا .. تحاول أمي دائما أن تملأها بالألعاب؛ قطارات خضراء، سيّارات بوليس، دمى ملوّنة، طائرات ورقيّة، حيوانات أليفة وأخرى بريّة.. على يمين الباب سرير مريح جدا بألوان مائية، وخزانة صغيرة فوقها حقائب بنيّة لم يسبق لي استعمالها.. وعلى يسارها مكتبة صغيرة وضعت فيها أمي قصص عن الساحرات..
كانت أمي تأمرني بالبقاء في الغرفة لمدة تجاوزت وعي بالوقت، فيما تذهب هي لعملها ومشاويرها الطويلة. كان الأمر ممتعا في بدايته.. مدهش أن ترى العالم غرفة واحدة بغابات شاسعة، وساحرات شريرات.. لكن الغرفة بدأت تضيق وتضيق إلى أن ريشة عصفور صغير، فحلقت بعيدا عنّي.. وبدأت رحلتي الطويلة في المطلق..
ما عدت أجدني.. صار الفيل يطير.. والعصفور يسبح.. فيما الأسد يقفز فوق طائرة من ماء وسكر.. وصار للحلوى شكل السحب ولونها.. سريري صار زورقا من ورق أحمله بيدي الصغيرتين وأحلق به بعيدا عن نداءات أمي وصراخ أبي.. بعيدا عن كلّ فراغات العالم وفزّاعاته..
كنت سعيدا في صدمتي المطبق، فأنسى نطق الأشياء.. سعيدا وكفى، وكنت أكرر “برررر بررر بررر” وأطير بعيدا في سماء لا يراها سواي.. فيما يداي لا تكفان عن الحركة.. تلتقطان السحب من ذيلها الطويل وترميانها بعيدا في الفراغات الملونة..
العالم أشكال هندسيّة دوائر، مثلثات، مربعات، والكثير الكثير من الفرغات التي كنت أقضي يومي الطويل في ملئها.. مرّة أسحب كتاب من فوق رفّ المكتبة وأرميه داخلها.. ومرة أتسلق الخزانة وأملأ نفسي بها إلى أن تسقط فأسقط معها..
في الأيام الأخيرة صارت أمي على غير عادتها تجلس في الغرفة تراقب حركاتي.. تحاول أن تحضنني، فأفلت منها صارخا “بررر بررر بررر”، فتجهش ببكاء هستيريّ مصحوب بصراخ يثقب الأذان.. وكنت أنظر إليها من خلف الدببة الكبيرة، فأراها أصغر وأصغر من أن أحملها وأملأ بها فراغ السرير…
كانت سعادتي أكبر حين بدأت أتجاهل وجود أمي في الغرفة وبكاءها ونداءاتها..
ذات صباح كانت تأمرني كعادتها بالخروج من باب الغرفة.. غافلتها خرجت من الحائط.. فسقطت فوق صخرة حولها أسماك في شكل نقاط تعجب..
هي لم تكنّ ترى شيئا من كلّ ذلك.. لا شيء.. جلست بجانبي تبكي وتصرخ “إبني ضاع مني.. ضاع مني”، مسكت يديها مبتسما ” بررر بررر بررر”
ومنذ ذلك اليوم كلّ شيء تغيّر أصبحت أمي تأخذني لمشاوير طويلة جدا ومتعبة جدا.. تحاول أن تعرّفني على عالمها ، تحاول تغيير عالمي الذي لم تعد تقوى على تحمله.. “هذا باب، هذه شجرة لونها أخظر، هذا حذاء، هذه ثلاجة، هذا طفل، هذه طفلة..” كانت تسحبني منّي إليها.. تجعلني أمشي حافي القدمين فوق الحجارة لأشعر بالألم، لتجذبني إليها أكثر وأكثر.. وكلما أكلّ من السير أبكي بكاء هستيريا، فتسارع لعناقي، ظنّا منها أنها نجحت في جعلي أشعر بالألم.. بينما كنت أريد التخلص من هذا الشعور الممل من صفة “متوحد” .. أريدها أن تتركني في الغرفة الضيقة وتعود لحياتها السابقة.. لأنّ التمساح سيأكل “الآيس كريم” والسمكة ستغضب مني كثيرا لأنّي لم أعد لأمنعه من فعل ذلك .
الطرابلسي نيران
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً