الصّادق بن مهنّي : الى الشّاعر الراحل نور الدين فارس :عفوك أيّها “الباهي”

img
Share Button

 الصّادق بن مهنّي : الى الشّاعر الراحل نور الدين فارس :عفوك أيّها “الباهي”

نور الدّين !

 

أذكرك فتغلبني عيناك.أذكرك فتجرحني تطبحني عيناك.

أتذكر متى التقينا أوّل مرّة ؟ لا أظنّك تذكر فيما أنّي أذكر . لقد كنت المقصد و كنت مع القاصدين.و لذا تحفظ ذاكرتي بسمتك صوتك العالي كلماتك لا تنضب و تنساني: يومها جئنا إلى حومة السّوق” من كلّ حدب     و صوب بالجزيرة(هاأنّني أكتب هذا كما علّمونا حينها أن نعبّر) لنجتاز امتحان “السّيزيام و الشّهادة ” و كنّا سمعنا من معلّمينا عن معلّميك يتباهون بنبوغك اللاّفت فرمنا أن نعرفك.

 

بعدها جمعنا “الكولاّج” . و أذكر : في البدء كنت على الدّوام الأوّل. الأوّل المطلق المطبق على كلّ الموادّ حتّى قست عليك الدّنيا فغدوت تتغيّب . و بدأت عيناك تتحوّلان يغشاهما حزن أو شيء من الحزن أو الأسى و شيء من خنوع أو لنقل من التّسليم بأمر قد يكون بدا لك حينها أمرا لا مفرّ منه.

 

و أذكر:كنّا بزاوية سيدي بوحجرالّتي كانت  حينا من الزّمن مطعمنا و مقرّ مراجعتنا  – نحن تلامذة “الخيريّة” – … ناديتني لتريني الطّاهي يلقي بالصّبارص عند القبور للقطط و أنت لا تفهم كيف لا نحصل منه إلاّ على “ماء في شربة” يكاد جوعك يدفعك إلى الكدس و في العينين سؤال وغضب.

 

بعدها غبت إذ ذهبت أدرس بقابس و ظللت …حتّى عدت فالتقينا و معا مع المنّوبي و رحومة أقبلنا على نادي العربية حرّرناه من هيمنة أستاذين و غدونا نقوده على هوانا… و ظللت تكتب كما المتنبّي شعرا كلاسيكيا صلبا متماسكا هدّارا و ثريّ القاموس يترنّم… فيما اندفعنا “نجدّد…

 

و لمّا تعوّدت أن أجيىء من عطلة لعطلة  أنظّم حلقات التّوق إلى الأبهى و الخوض في المحرّم وجدتك شرقيّ الهوى بل قذّافي المنزع … و اختلفنا … غير أنّا لم نهملك … و تستّرت عنّا… وظللنا نسير معا حيث أمكن أن نسير معا …فكانت دار الشّعب و مكتبة دار الشّعب و الشّعر و القصّة وحتّى المسرح… و كان”مزيو” و “بن سلامة” و آخرون كثر…

 

أتذكر كيفا ذهبنا إلى صفاقس أنت و رحومة و المنّوبي و أنا و عزّزنا جمعنا بالّلغماني المختار  و كيف لم يرق لك ما قرأه المزغنّي و منه قوله : ” تكلاتيت كالشّمبرار”.؟

ثمّ أتذكر بل إنّك لا شكّ تذكر تلك “المبارزات” الّتي كانت تضعك قبالة الحبيب بن سلامة الشّاعر الخارج لتوّه بل الغارق دوما في بيداء دونها بوادي و كلم معجم و إن صحّ نسبه العربيّ القحّ. أنت لا شكّ تذكر فأنت عدت تلقاه و عدتما تبزّان كلّ الآخر … و لقد استمتعت به وبك آخر مرّة ابتسم لي الحظّ فيها فجمعتنا ذكرى الشّيخ سالم …  و إذ أراني الآن قد قسوت عليكما يومها أعتذر و عذري أنّي كنت أريدكما أفضل و أقسم أنّكما على الأفضل قادران…

 

تتوارد على خاطري صور ذاك اللّقاء الأخير فأسمعك تندب حظّك العاثر و تتألّم من أحبّة لم يسعفوك وتشكو غبنا لا تفهم مأتاه …و أرى عينيك تجرحني تقظّني تسألني فيهما لوم وعتاب و استجارة و لكن أيضا شموخ…

و يحضرني سعيك و أنت تعمل بالمعتمدية آتيها لأدفع عن والدي ظلما محيقا و أنا الخارج للتّوّ من الغياهب يصفعه  بل يغشاه تجاهل رفاق القسم و شركاء مرابع الطّفولة أغلبهم و ترحّب بي في العلن بل تحشر نفسك في “قضيّتي” و تغدو و كيلي لدى “عرفك” تثنيه عمّا شرع فيه… و يومها تأكّدت مرّة أخرى ممّا استشعرته عندك مرّات :إدمانك الوفاء و قهرك الخوف و صدق عزمك…

 

أيا نور الدّين !

و لكنّنا التقينا مرّات أخرى عديدة ..بمحض صدفة غالب الوقت… و في كلّ مرّة أدركت و أنا أسمعك أنّك أخي و صديقي و أنّ لك عليّ حقّ …حقيقة و حقّا…و من ذلك أنّني أحسستك منّي و أنت تعاتبني كيف أكتب “عند غيرك و أنسى جريدتك و الأقربون أولى بالمعروف”… و أنا الآن في حضرتك و في حضرة هؤلاء أقرّ لقد قصّرت في حقّك  وغبطتك ما هو لك و لم أرع ما كان عليّ أن أرعاه…

 

أيا نور الدّين !

 

نظراتك عيناك الرّائعتان تؤذيني تؤلمني تقرّعني تفزعني تشلّني تهزّ وجداني …

 

و دون أن أشعر أراني أرى الآن بالتّوازي أو صورة على صورة عينيك تنظران في هدوء صاخب ترسمان أكثر من سؤال و عيني جمل تحلّقنا حوله أطفالا  هناك عند “حوانت الماي” ..تحلّقنا حوله نملأ العيون بقوّته و عنفوانه وهو مربوط إلى الزّيتونة العتيقة ينتظر نحبه أو لا يدري أنّه يقاد إلى حتفه… و تحلّقنا حوله و هو يقاوم الرّجال يغدرون به فيظلّ يرغي و يزبد حتّى يطرح  و تلوى رقبته و يرى النّصل فيسكت لكنّ عينيه تظلّ ترمق تتكلّم خرسها ينطق…

 

جمل محامل أنت و”ما بغير ضرسي جمل المحامل يطحن الشّوك”

 

ظلمت ، ظلمك دهرك … ظلمتك صدف ..تعسّفت عليك الظّروف..ظلمناك…

 

كان من المتيسّر أن تغدو شاعرا فطحلا أو عالم ذرّة أو طبيبا… نعم كان ذلك واردا فلقد عشنا نحن زمنا كان فيه المصعد الاجتماعيّ شغّالا… و لكن للفقر أحكامه و لانعدام الإحاطة قساوتها…

 

يا نور الدّين !

 

لا أدري لماذا قلت هذا كلّ هذا فلقد تدفّق جملة و دفعة كما تتدفّق القصيدة عليك …

 

قبل أن إودّعك أريد أن أقول أنّك على أيّ حال عشت صدقك و لطفك و رقّتك و شيئا كثيرا ممّا كنت تبتغيه و أنّك قاومت و كنت في آن ريحا طيّبة و قصبا يتمايل.. و حتّى نضحك قليلا فتفرح أسألك :أما زلت تحفظ تلك القصيدة العامّية تصف  فيها فخذي جميلة  بهرتك فتقول عنهما “عرصات مرمر و سطا لولبهم”؟

 

الصّفح الصّفح أيّها الرّجل !

عفوك أيّها الباهي !

ــــــــــــــــــــ

كلمة كتبت بتونس 17/07/2016

و تم تقديمها في أربعينية الشاعر الراحل المنجزة بتاريخ 25/07/2016

بميدون جربة

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً