الرئيسيّة » فكر » الإعلام الثقافي في تونس إلى أين؟
فكر

الإعلام الثقافي في تونس إلى أين؟

Share Button
الإعلام الثقافي في تونس إلى أين؟
مليكة عمراني
إنّ الإعلام هو أخطر وسيلة تواصل حديثة تنفذ إلى العقول وتؤثر في الوجدان وتصقل المواهب وتقوّض أفكارا بالية لتحلّ محلّها قناعات جديدة تعتبر بديلا معرفيّا.
والإعلام الثقافي هو أشدّ حساسيّة وأكثر نفاذا باعتباره يستهدف جمهورا مخصوصا وهو جمهور النخبة المتعلمة والمثقفة أو ما يسمّى بالأنتلجنسيا.
شهد الإعلام الثقافي في تونس تحولات ومنعرجات كبيرة بين مدّ وجزر من جهة الحريات الإبداعيّة والأكاديميّة.
وسنتناول في ما يلي الإشكاليات التالية في علاقتها بالإعلام الثقافي في تونس:
ما هي خصوصيات المنتوج الإعلامي الثقافي الراهن في تونس؟
هل هو سائر نحو الطريق الصحيح أم أنه شهد عودة إلى الوراء؟
كيف ساهم تقلص الفضاءات الإعلامية الثقافية في تردّي الوضع الثقافي؟
ما هو الدّور الذي تقوم به وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في بلورة مشهد ثقافي؟
هل استطاعت المنابر الثقافية أن تجد لها مكانا تحت الشمس في ظلّ طغيان المادّة السياسية؟
ما هو دور المثقف الحرّ والملتزم في ترسيخ الإعلام الثقافي وتكريس نوعية إبداعية معيّنة؟
سننظر مبدئيّا في هذه الإشكاليّات تباعا مع رصد أمثلة دقيقة من المجالات الثقافية التي وسمت الخطاب الإعلامي التونسي.
شهدت فترة الثمانينات من القرن الماضي ومرحلة التسعينات أيضا مدّا إعلاميّا وثقافيّا لافتا اتّسم بغزارة المادّة الثقافيّة التي تقدّمها وسائل الإعلام المقروءة والمرئيّة والمسموعة فرغم الصّنصرة وغياب الحرّيات الإبداعيّة والأكاديمية استطاعت بعض المنابر الثقافيّة الوطنية أن تسلّط الضّوء عديد الإنتاجات وبرز جيل من المبدعين والصحافيّين المختصّين في الثقافة من خلال إنتاجاتهم وغزارة المادّة المقدّمة، وكثرت آنذاك المنابر الثقافيّة على غرار الملاحق الثقافيّة المتنوّعة في الصحف الأسبوعيّة واستفادت هذه الصحف من الكفاءات العلميّة والأكاديميّة والإبداعية التي تواصل حضورها إلى اليوم والبعض الآخر فضّل الانسحاب والتخلّي عن الكتابة شرطا من شروط الحياة الحقيقيّة الفاعلة في المجتمع وفي الوجود.
وبما أنّنا مطالبون في الوقت الرّاهن برصد أهمّ ملامح الخطاب الإعلامي الثقافي الحالي سننطلق من مقولة مفادها أنّ السياسة إذا دخلت أي ميدان أفسدته.
اليوم وبعد الثورة تغيّر المشهد الإعلامي كليّا، فرغم أنّ الكتاب شهد تفجّرا في محتوياته وكثر عدد الكتب التي وقع إصدارها بعد الثورة، إلاّ أنّ تمييز الغث من السّمين أصبح مسألة صعبة ولا تخلو من المزالق الفنية والمعرفيّة.
إنّ المتابعات الثقافية التي تتناول هذه الكتب لا تخلو من النقائص وفيها نوع من القطيعة المعرفيّة بين ما يصدر من كتب والنصوص التي تكتبُ في شأنها، فالمتابعات اليومية التي نقرأها على أعمدة الصحف اليومية والأسبوعيّة أصبحت تميل إلى الإثارة وما يسمّى بثقافة الـ »Beuz » على حساب المادّة الثقافيّة المقدّمة وهذا ما يضرّ بالكتاب وبالصحافيين أنفسهم الذين أصبحوا يميلون إلى التسرّع في تقديم المادّة الثقافيّة وكأنّها مكمّل من مكمّلات المشهد الإعلامي والحال أنّ للكتاب أهميته الكبرى حتى في زمن الوسائط المتعدّدة والمدّ الرقمي والتنكولوجي الكبير، إلاّ أنّ المقالات المكتوبة لها أهمّيتها لأنّها تندرج في الأرشيف الوطني وتبقى وثيقة ثقافيّة وتاريخية للأجيال القادمة وهو دور لا يمكن أن تقوم به الوسائط الرقميّة بدقّة لذلك وجبَ مراجعة ما يقدّمه الإعلام الثقافي المكتوب الذي يبقى في نظرنا أهمّ وسيلة وأنجعها يمكن أن تستمرّ في التاريخ وفي الجغرافيا.
أمّا وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة فهي تعاني من عدّة مشاكل أهمّها غياب المتخصّصين من الكفاءات الثقافيّة ما عدا بعض البرامج التي يقدّمها مثقفون بأنفسهم ويتعرّضون إلى مشاكل مادية ومعنويّة كبيرة يبقى دور هذه الوسائل محدودًا وتبقى برامجها الثقافية في حاجة إلى المراجعة الجذرية وذلك لا يتمّ في نظرنا إلا متى آمن مديرو هذه المؤسّسات بالطاقات الشابة والكفاءات التي لها من الخبرة والمعرفة والرصيد الثقافي حتى تؤطر هذه الكفاءات وتصحح مسارها.
وتبقى وسائل الإعلام العموميّة أفضل حالا من القنوات الخاصّة التي لا تقدم ثقافة على الإطلاق، إنّما تقدّم تهريجا و”فولكلورا” تحكمه ضوابط في أغلبها غير مهنيّة.
من أهمّ الفضاءات الثقافية المسموعة يمكن أن نذكر بعض الإذاعات المتخصّصة على غرار إذاعة تونس الثقافة وبعض الإذاعات الجهويّة التي تقلص دور الثقافة فيها.
المطلوب هو ضرورة تعزيز الأقسام الثقافيّة بمختصين من رجال المهنة من صحافيين شباب ومبدعين لهم القدرة على تأثيث هذه البرامج وإضفاء طابع الجدية عليها بعيدا عن الإسفاف والابتذالما نلاحظه اليوم هو طغيان ثقافة الفايسبوك ووسائل الإعلام المرئيّة على المقروء والمسموع فحين تقرأ كتابا في عزلتك فإنّ ذلك يساعدك على التفكير وعلى الاستفادة وتكوين رصيد وزاد ثقافي ومعرفيّ صحيح أنّ ما يسمّى اليوم بالـP.D.F يقوم بهذه الوظيفة ولكنه يتلف شبكية العين ويرهق القارئ الذي يكون مضطرّا إلى أن يتسمّر أمام الحاسوب لساعات طويلة تضرّ بصحّته النفسيّة والجسديّة بينما يبقى للجانب الورقي أهميّته أيضا لأنّه يمكن من الاستفادة أكثر يمكنك أن تحمل كتابك معك وأنت في وسيلة النقل أو في السيّارة، كما أنّ لتشجيع الكاتب والكتاب ضرورة كبرى وأهمية بالغة حتى لا تندثر مهنة الطباعة والورّاقين وحتى نحفظ مكتباتنا من التلف ونحافظ على أهمّية الكتاب وجماليته وهو يزين رفوف المكتبات في بيوتنا والحقيقة رغم صعوبة هذه الأحلام إلا أنّها ليست مستحيلة ما دام المثقف والإنسان العادي مازال يرتاد معارض الكتاب ويتابع الصحف الوطنيّة والعربيّة ويقتني لأطفاله قصصا يبذل الكتاب الغاي والنفيس في سبيل طباعتها وإخراجها للناس في شكل كتب فيها رسومات جميلة ومكتوبة بخط أنيق لا يخلو من الاجتهاد على مستوى كلفة الطباعة.
كما لا يخفى علينا طغيان المادة السياسية على صحفنا ومجلاتنا والإذاعات والتلفزيونات وهذا ما قلّص الدور الذي تقوم به المنابر الثقافيّة من إرشاد وتوعية وصقل للموهبة واحترام لعقل القارئ فحين نقارن مثل بين صحفنا ووسائل إعلامنا المسموعة والمرئية بوسائل الإعلام الغربية على غرار الثقافة في فرنسا وألمانيا وسواهما، نجد نقصا فادحا في عدد البرامج التي تعنى بالكتاب وبالمادة الثقافية إلى جانب عدم حرفية بعض الصحافيين الذين يلحنون في اللغة ويجهلون أبسط أبجديات ما يقدّمونه للقرّاء.
يمكننا الحديث عن مسألة أخرى مهمّة هي أنّ الصحافي أصبح يستأنس اليوم بالوسائط الرقميّة وتقلص دوره على عين المكان، إذ أنّ متابعتنا الشخصيّة للكثير من الأنشطة الثقافيّة في النوادي والمنتديات كشفت لنا غياب الصحافيين المواكبين والمراسلين وهو ما يقلص وظيفة الصحافي ودوره بوصفه رجلَ ميدان وإنسانا قادر ا على معاينة الحدث بأمّ عينه كما لا يخفى علينا التراجع الثقافي الكبير للمادّة الإعلامية الثقافية في المنابر الإعلامية والصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والسبب هو طغيان المادة السياسية التي تقلص من دور الثقافة عموما وغيبت المبدع الحقيقي والمفكر والفيلسوف وفسحت المجال لبعض المتحزّبين والمتسيّسين وحجبت عنا دور المثقف الحرّ والمستقلّ الذي أصبحنا في حاجة إلى صوت الحكمة فيه أكثر من أي وقت مضى والحقيقة أنّ المثقف هو طائر المنيرفا يأتي عند اكتمال المشهد وكأنّه أصبح اليوم مهمّشا مقصيّا عن دوره الطبيعي والوظيفي في النقد والتوجيه.
إنّ الواقع الإعلامي اليوم يعاني عللا كثيرة على الصعيد الثقافي ووجب مراجعة المشهد برمّته وكي لا يكون كلامنا معمّما خاليا من الدقة العلميّة والصّرامة المنهجيّة نقترح الحلول والبدائل التالية:
أولا: ضرورة إعادة النظر في تكوين ورسكلة الصحافيين المختصين في المتابعة الثقافية ووضعهم في الإطار الصحيح.
ثانيا: أهمية دور النقد والمتابعة لهؤلاء الصحافيين وتنمية قدرتهم على التحرير والكتابة حتى لا يبقى الدور محصورا في الصورة ووظيفتها حاملا رمزيا ودلاليا ووسيطا إعلاميا مهمّا.
ثالثا: فسح المجال للمبدعين والمبدعات من الأجيال الجديدة للمساهمة في تغيير هذا الواقع الإعلامي الثقافي ومنحهم الفرصة للتعبير عن مواهبهم.
رابعا: تفعيل الدور الذي تقوم به المنابر الثقافيّة المستقلّة والتابعة لوزارة الثقافة للأهمية القصوى التي تلعبها هذه الفضاءات الثقافية في توجيه الشباب وتأطيره.
خامسا: دعم دور الإعلام الثقافي في الإشهار وتسليط الضّوء على المنتديات الثقافية حتى تعمّ الفائدة للجميع.
وفي نهاية مقالنا هذا، يمكننا أن نخرج بخلاصة دقيقة مفادها أنّ الإعلام الثقافي اليوم في حاجة إلى مراجعة جذرية وجدّية وأكيدة من أجل تفادي الهنات والنقائص من أجل مستقبل إعلامي ثقافي أفضل للأجيال الحالية والقادمة.
Facebook Comments
Share Button

اترك تعليق

اضغط هنا للتعليق

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 17٬824 مشترك